الانتفاع لا يصحّ إلا معها على ما بينّاه في باب الصفات وما لا يصح وجود حياته إلا معه من البنية وغيرها فلا بدّ من أن يخلقه تعالى من حيث يجب خلق الحياة التي معها يصحّ التنعم ، ولولا ها لم تحصل النعم أصلا ، ولو صحّ وجود الحياة مع عدم البنية لم يجب خلقها ؛ لأن الانتفاع كان يصحّ من الحىّ مع عدمها .
فأمّا خلق القدرة فممّا لا يجب ، لأن المشتهى إذا أدرك ما يشتهيه التذّ به ، كان قادرا أو عاجزا ، لأنه لا تعلّق للّذّة بالقدرة ، ولا يجب وجودها من حيث يقتضي كون الحىّ صحيحا . وذلك لأن القدرة هي المحتاجة إلى الحياة ، والحياة لا تحتاج إليها ، فإذا صحّ ذلك جاز خلو الحياة منها وقد دللنا على ذلك من قبل ؛ لأنا قد بينا في باب الصفات أن الحياة والصحّة لا تقتضيان وجود القدرة ، وأن الصحيح منّا إنما يحصل قادرا بالعادة .
وكما لا يجب خلق القدرة في الحىّ فكذلك لا يجب خلق العلوم والإرادات فيه ، ولا خلق الآلات التي إنما يحتاج إليها في الفعل . فأمّا ما يحتاج إليه في الإدراك كالحواسّ فلا يجب أيضا خلقه ؛ لأن الحي قد يلتذ متى أدرك ما / يشتهيه لمحلّ حياته لمسا كالجوهر والحرارة والبرودة واللذة التي تحدث على الوجه الّذي يلتذ الجرب عند حكّه الجرب . فلا يمتنع أن يشهّى إلى ذلك الحىّ لمس بعضه ببعض فيلتذّ بذلك . ولا بدّ من كونه تعالى مريدا لخلق ذلك الحىّ والحياة والشهوة ، لا لأن الإرادة لا بدّ منها في حسن ذلك ، لكن لأن العالم إذا فعل الشيء ولا مانع يمنع من أن يريده فلا بد من أن يريد ؛ لأن ما دعا إلى الفعل يدعو إلى الإرادة وما يصرف عنه يصرف عنها على ما دللنا عليه من قبل .
وليس لأحد أن يقول ، يجب أن يفعل تعالى إرادة خلق ذلك الحىّ لينفعه ، وإلّا لم يحسن منه خلقه . ويستشهد على ذلك بما نقوله : من أن أول النعمة هو خلقه تعالى العبد حيّا لكي ينفعه .
وذلك لأنه تعالى إذا خلق الخلق مع الأمر الّذي يتنعم به في الحال ، ومع الشهوة التي
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 73
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٧٣