في موضعه ، وإنما يجب أن يخلق حيّا على وجه يصح أن ينتفع ، ويخلق معه ما ينتفع به ، أو يصحّ ذلك فيه ؛ لأن هذا القدر يقتضي خروجه من كونه عبثا ، ويوجب فيه كونه إحسانا ونفعا . ولسنا نقول : إن الإرادة يجب أن تتقدم المراد ، فلا يلزمنا القول بأنها أول ما يخلقه تعالى ، بل يجب أن يكون أوّل ما يخلقه الحىّ وما يوجد معه مما يصحّ لأجله أن ينتفع أو ينتفع بغيره . والإرادة تابعة للمراد في الحسن إذا كانت جهة له أو مقتضية فيه أن يقع على وجه يحسن عليه . وإنما يصح أن تقبح مع حسن المراد إذا لم تكن مؤثّرة في المراد على ما نذكره من بعد . وقد بيّنا أن ما دعا إلى الفعل يدعو إليها ، وما صرف عنه يصرف عنها ، فهي من هذا الوجه في حكم بعض المراد ؛ فلذلك لم نفردها بالذكر في هذا الباب .
فصل في ذكر أقل ما يحسن من اللّه تعالى خلقه في الابتداء مفردا من غيره
اعلم أن أوّل ما يحسن منه تعالى أن يخلقه ابتداء خلق حىّ وخلق الشهوة لمدرك موجود على وجه يدركه فيلتذّ به . ولا يجب أن يكون ذلك المدرك غيره ؛ لأنه لا يمتنع أن يشتهى الحىّ إدراك بعضه ، أو إدراك ما يحلّ في بعضه من لون أو غيره . وقد بينا من قبل أن الشهوة يصح تعلقها / بالمدركات « 1 » . فإذا كان الجوهر نفسه مدركا من جهة الرؤية واللمس لم يمتنع منه تعالى أن يخلق الحىّ ويجعل شهوته في إدراك بعضه ، فلا يجب على هذا القول أن يخلق فيه لونا ولا غيره ، بل يجوز أن يخلو ذلك الحىّ من جميع الأعراض سوى الألوان « 2 » على ما دللنا عليه من قبل . فأمّا خلق الشهوة فلا بد منها ، لأن
هامش
( 1 ) في الأصل : « المدركات »
( 2 ) الكون هو حصول الجوهر في الحيز . والأكوان عند المتكلمين أربعة : الاجتماع والافتراق والحركة والسكون . والاجتماع والافتراق بالنسبة للجوهرين واتصالهما أو انفصالهما . وانظر المقاصد وشرحه للتفتازاني 1 / 187