ينتفع به في الدنيا ، وكلا الوجهين إنما يصحّ في حال وجوده ، ولا معتبر فيه بتقدّمه ، فيجب ألا يحسن خلق الجماد قبل الحىّ .
ولمثل هذه الطريقة قلنا : إنه لا يحسن منه تعالى أن يخلق الفناء أولا قبل الجسم ، فأمّا خلقه تعالى الفناء / أولا قبل الجسم بعد خلق الحىّ فقد بيّنا أنه بمنزلة الموت في أنه يقطع حال التكليف من حال الثواب على وجه يكون أقرب إلى زوال الإلجاء ، فلذلك حسن ، وما يفعله تعالى في الآخرة من نصب الميزان وانطلاق الجوارح إلى ما شاكلهما يحسن ؛ لما في علمنا به من الزجر والردع عن القبيح .
فإن قيل : أليس قد روى عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : كان اللّه ولا شيء ثم خلق الذكر ، فهلا جوزتم أن يبتدئ تعالى بخلق الذكر والكلام أولا ، ثم يخلق الحىّ .
قيل له : إن قوله : ثم خلق الذكر لا يدلّ على أنه خلق الذكر منفردا عن غيره ، كما لا يدلّ على أنه خلقه مع غيره ، وإنما يدلّ على أنه خلق الذكر . فإذا علمنا بالدليل أنه لو لم يخلقه مع الحي المنتفع به لكان عبثا فيجب أن نقطع بذلك على أنه خلقه مع الحىّ ، لما ثبت بالدليل أنه لا يصحّ وجوده إلا في محلّ ، وجب القضاء بأنه لا يخلقه إلا مع محلّه .
فأمّا تقديمه تعالى خلق القرآن قبل نزوله إلى نزوله إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم فلما فيه من المصلحة للملائكة فلا سؤال علينا فيه . فأمّا ما يروى في الخبر من أنه تعالى يفنى العالم ثم يقول : لمن الملك اليوم للّه الواحد القهار فغير صحيح ، لأن هذا القول يكون عبثا إذ ذاك ؛ فلا يحسن منه تعالى أن يفعله ، فيجب إذا أن يحمل الخبر على أنه تعالى يقول ذلك بعد إماتة أكثر الخلق ، فيقوله اعتبارا لمن بقي منهم مكلّفا ، فيكون أقرب إلى الطاعة والتوبة .
ولا يجب عندنا أن يكون الّذي يخلق أولا مكلفا ، بل لا يجب أن يخلق تعالى / المكلف أصلا ، ويجوز أن يخلق الخلق في الجنة ابتداء ولا يكلّفهم ، وسنبين ذلك
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 71
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٧١