ذلك ؛ لأنه من يخشى الفوت فيحسن منه تقديم الأمور قبل الحاجة إليها ؛ وإنما يحسن من الواحد منا تقديم ما يحتاج إليه في المستأنف من حيث يخشى الفوت ، ويصحّ عليه تعجيل السرور وإيثار الراحة من بعد والتخلص من المشقّة التي هو مدفوع إليها . وليس كذلك حاله تعالى ؛ لأن هذه المعاني تستحيل / عليه ، فلا يجوز إذا أن يقدّم خلق الجماد على خلق الحىّ . وبمثله لا يجوز أن يقدّم تعالى خلق بعض الأغراض على خلق الحىّ المنتفع . ويفارق ذلك ما نجوزه من تقديم الأمر قبل وقت الفعل ، وقبل وجود المأمور بأوقات كثيرة ، لأن ذلك إنما يحسن عندنا إذا كان في تقديمه من الصلاح ما ليس في تأخيره ، فيجب أن يقدّم ذلك أو يحسن ، وليس كذلك تقديمه تعالى خلق الجماد ، بل يجب أن يكون بمنزلة ما نقوله من أنه تعالى لا يجوز أن يقدّم الإرادة قبل المراد المبتدأ ؛ لأنها تكون عبثا لا فائدة فيها .
فإن قيل : جوزوا أن يكون صلاح المكلّف أن يعلم في حالة ما خلق وكلّف أن بعض الجمادات متقدّم لحال خلقه بأوقات ، فيكون في تقديمه تعالى خلق ذلك الجماد هذه الفائدة فيحسن .
قيل له : إن العلم بالشيء والخبر عنه يتعلقان به على ما هو به ، ولا يكتسب بتعلقهما به حالا وصفة لولا هما لم يكن عليه . فإذا ثبت ذلك ودلّ ما قدمناه على أن تقديم خلق الجماد عبث فيجب ألا « 1 » يتغير حاله بالعلم والخبر اللذين ذكرناهما ، سيما وقد يصحّ متى أوجده اللّه تعالى مع الحىّ المكلف أن يعلم كيفية وجوده من قبل ، فلا وجه لتقديم خلقه له .
وبعد ، فإن الجماد إنما ينتفع المكلّف به على أحد وجهين : إمّا بأن يعتبر به ، أو بأن
هامش
( 1 ) في الأصل : « أن » .