في الأدلّة أن تقع صحيحة ، فلا يجوز فيها الانتقاض والفساد .
ولهذه الجملة قلنا : إن الّذي يلزم المكلّف أن يعلم أنه تعالى لا يفعل القبيح . فمتى علم ذلك لزمه عنده أن يعتقد في سائر ما / خلقه أنه ليس بقبيح ، وأنه حسن . ولا يلزمه معرفة وجه الحكمة في كل فعل من أفعاله ، وإنما يجب النظر في ذلك لحلّ الشبه ، وإسقاط ما يورده المخالف من اللّبس ؛ فهذا مما يختصّ به العلماء وهو في بابه بمنزلة المتشابهات « 1 » التي يجب بيان المراد بها عند ورود الشبه ؛ وإن كان الّذي يلزم المكلف أن يعلم في الجملة أن المراد بها يجب أن يكون مطابقا لما اقتضاه العقل . ولهذا المعنى قلنا : إن الاهتمام يجب أن يشتدّ من المكلف في معرفة أصول الأدلّة دون غيرها ، لأن ذلك يغنيه عن معرفة التفصيل . وإنما يجب تكلّف القول في ذلك عند إيراد الملحدة الشّبه التي بزعمهم يتوصّلون بها إلى أنه لا صانع للعالم ؛ من حيث لو كان له صانع لوجب كونه حكيما ، ولو كان كذلك لم تقع أفعاله على الوجه الّذي وقعت عليه ، فيجب بيان فساد تعلّقهم بذلك . وعند إيراد المجبرة الشبه التي بزعمهم يتوصّلون بها إلى أنه تعالى قد فعل ما مثله يقبح في الشاهد ، فيجب ألا يمتنع كونه فاعلا لسائر القبائح ، فيقدحون بذلك في قولنا : إنه تعالى منزه عن كل قبيح فيحتاج أن يبيّن فساد ما ظنّوه في هذه الأفعال ، وأنها واقعة على وجه يحسن وقوعها عليه ؛ لإزالة الشبه التي تعلّقوا بها . وعلى هذا قلنا : إن ما تعبّد اللّه به من الشرعيات إذا علمنا في الجملة كونه مصلحة لم يلزمنا بيان الوجه الّذي له صارت مصلحة ؛ لأن فقد العلم بذلك لا يؤثر فيما نعلمه من كونه تعالى حكيما ، ولا في شيء من التكليف .
ولا يبعد مع ذلك أن / نتكلّف ذكر ذلك عند إيراد المخالف بعض الشبه الّذي يخاف عند إهمال القول فيه الفساد ؛ وإنما يجب بيان كون الفعل مصلحة . والوجه في ذلك إذا كان هو الطريق إلى معرفة وجوبه ؛ نحو ما نقوله في معرفة اللّه تعالى ، فأمّا الشرعيات فالقول فيها على ما قدّمناه .
هامش
( 1 ) في الأصل : « المتشابه » وقد غيرناها كما ترى نظرا لما بعدها .