تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
الاتّفاق من غير أن تكون حسنة أو قبيحة . فإن قلتم : إن هذا القول يمنع من إثباته حكيما فليس الأمر كذلك ، لأن الّذي يؤثّر في ذلك هو إثبات أفعاله أو بعضها قبيحة ، وقد دللنا على فساد ذلك . فأمّا وجودها لا حسنة ولا قبيحة فمما لا يقتضي كونه سفيها ، ولا يخرجه عن كونه عالما غنيّا . فإن قلتم لو فعل تعالى الفعل على « 1 » جهة الاتفاق لكان عبثا ، وعاد الأمر فيه إلى أنه قبيح ، وقد ثبت تنزيهه عن ذلك ، فهذا لا يصحّ ، لأن العبث هو الفعل الّذي لا معنى فيه . فأمّا إذا كان فيه معنى فيجب ألّا يكون عبثا ، وإن لم يجب كونه حسنا ، وقد ثبت أن أحدنا لو نفع غيره من دون أن يقصد إلى نفعه لكان فعله غير حسن ولا قبيح ، وإن لم يكن عبثا من حيث حصل فيه فيجب نفع الغير . فإن قلتم : إن أفعاله تعالى محكمة ، فيجب كونه عالما بها ، والعالم بما يفعله لا يجوز أن ينسب ما يحدث من جهته إلى أنه وقع بالاتّفاق ، فهذا لا / يصحّ ، لأن كونه عالما لا يوجب دخول فعله في وجوب كونه قبيحا أو حسنا ، كما أن كونه غير عالم لا يوجب خروج فعله من أن يكون قبيحا أو حسنا ، ويجب أن يرجع في ذلك إلى وجه سوى كون فاعله عالما . فإن قلتم : إن في أفعاله تعالى تكليفا « 2 » وتمكينا وإثابة . ولا يجوز في كل ذلك أن يكون واقعا باتّفاق . قيل لكم : إن هذا القول إنما يوجب خروج هذه الأفعال خاصّة وما شاكلها من أن تكون واقعة باتفاق ، فيجب في ابتداء الخلق أن تجوّزوا ما ذكرناه ، سيّما ولا وجه يقتضي كونه تعالى فاعلا له في حال دون حال ، كما يقتضي ذلك في التكليف وما يتّصل به . وبعد ، فإذا لم تجدوا في الشاهد الفعل يحسن إلا إذا اختصّ بأن لفاعله فيه منفعة
هامش
( 1 ) في الأصل : « لا على » وهو غير مناسب لما هنا . ( 2 ) في الأصل : « تكليف وتمكين » .