فصل في بيان ما يجوز أن يكلف العبد من الأفعال وما لا يجوز
قد بينا أنه لا يجوز أن يكلّف ما إذا وقع وقع قبيحا ، وما إذا وجد لم يكن له صفة زائدة على حسنه . ومتى كان له صفة زائدة على حسنه وكان معنى المشقّة يحصل فيه وأحوال المكلف على ما قدمناه حسن تكليفه . ولا معتبر في هذا الباب أن يتعلّق بدين أو دنيا ؛ لأنه قد كلف الإنسان اجترار / المنافع ودفع المضار في نفسه وفيمن يمسّه أمره ؛ كما كلّف ما يتعلق بأمر الدين . ولذلك يستحق الإنسان الذمّ إذا لم يفعل ما يتحرّز به من المصائب في الدنيا ؛ كما يستحق ذلك في باب الدين ولا يجوز أن يستحق الذمّ بألا يفعل الشيء إلا ومتى فعله يستحقّ المدح مع السلامة . فأمّا ما ينتفع به من الأكل والشرب فلا يخلو من أحد أمرين . إما أن يبلغ حدّ الإلجاء فلا يكلّفه الإنسان ؛ لما قدمناه ، أو لا يختصّ بصفة زائدة على كونه حسنا فلا يحسن تكليفه لخروجه من أن يختصّ بمدح أو ذمّ ، ولزوال معنى المشقّة فيه . وقد بينا أنه يجوز على جهة التوسّع أن يقال : إنه - تعالى - كلف المرء ألّا يفعل ما يشتهيه من القبيح أو ما شقّ عليه الامتناع منه ، وإن لم يكن مشتهيا .
فأمّا ما يكره من المكلف وينهى عنه ويكلف الامتناع منه فلا بدّ من أن يختصّ بصفة القبح ، ولا قبيح يحصل العبد ملجأ إلى ألا يفعله إلّا ويجوز أن يتناوله التكليف لأن جميعه يتساوى في أنه يستحق الذم بفعله . ومتى لم يفعله على بعض الوجوه يستحق به المدح . ولا فرق بين أن يقبح لأمر يتعلق بالدنيا أو بالدين في هذه القضية ؛ لأن العلة فيهما واحدة . وقد بينّا أن الغرض بالتكليف تعريض المكلف للثواب ، وأن من حق ما كلفه على / جهة الإيجاب أن يستحق بألا يفعل العقاب وإلّا لم يحسن من الحكيم إيجابه فإذا صحّ ذلك فيجب في كل فعل له مدخل في استحقاق المدح عليه أن يجوز أن