ويكون هو الأصلح له في باب الطاعة ؛ لأنه قد ثبت أنه لا يستحق الثواب بها إلّا إذا فعلها لحسنها في عقله ، ومتى كان المستحقّ بها حاضرا أو في حكم الحاضر فلا بدّ من أن يفعلها لاجترار المنافع أو للإلجاء ، وفي ذلك إبطال استحقاق الثواب بها . وذلك يوجب زوال التكليف . والقدر / من المدة الّذي معه يصحّ أن يفعل الطاعة لحسنها في عقله وتزول طريقة الإلجاء ممّا لا يحقّه وإنما يعرف من ذلك ما قدّمناه من الجملة . وإنما صحّ خفاء ذلك علينا لأنه ممّا لا يؤثّر في التكليف وشروطه وإنما يجب أن يعلم ما يحتاج إليه في ذلك دون ما يختصّ القديم - تعالى - فلو قيل لنا : ما مقدار عدد القدر الّذي يجب أن يفعل في زيد المكلّف لكان من جوابنا أن الّذي نعلمه أنه لا بدّ من أن يفعل فيه القدر الّذي ينهض به في فعل ما كلّف ؛ فأمّا معرفة عدد ذلك على التفصيل فممّا لا حاجة بنا إلى معرفته ؛ لأن الجهل به لا يخلّ بما يحتاج إليه في التكليف ، والقديم - تعالى - يجب أن يختصّ بذلك . فإن قيل : أفتقولون : إن قطع التكليف عن حال الثواب وتراخيه يجب أن يكون بأمر مخصوص كالفناء والموت أم تقولون : إنه يحسن بأي شيء أراده - تعالى - ؟ قيل له : إن القدر الّذي ذكرناه يقتضي انقطاع حال الثواب عن حال التكليف وتراخيه عنه لما ذكرناه ، ولا يقتضي أنه يجب أن ينقطع بأمر دون غيره ، ولا يمتنع أن يقال : إنه مخيّر عند قطع آخر التكليف بين أن يفعل الموت أو الفناء أو غيرهما ممّا يقوم مقامهما ، وإن كان قد ثبت بالسمع أنه يفعل الفناء ، ولو فعل الموت لكان السؤال فيه كالسؤال في الفناء الآن ؛ لأن كل واحد منهما كصاحبه في حصول انقطاع التكليف به .
والّذي نقطع به أن الواجب ألّا يفعل الموت والفناء جميعا لأن الجمع / بينها يوجب كون أحدهما عبثا لا فائدة فيه كما لا يفعل - تعالى - موتين لمثل هذه العلّة في المحلّ الواحد . وليس هذا من تقديمه - سبحانه - إماتة المكلفين بسبيل لأن قطع ذلك بالفناء
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 524
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٥٢٤