تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 521

مساهمون:

ص٥٢١
في المستقبل لا تقتضى كونه ملجأ في الحال إلى تحصيل ما يسدّ به جوعته ، وإن كان الجوع الحاضر يقتضي ذلك ، ولا شيء آكد في الفصل بين المسألتين من علمنا من أنفسنا باختلافهما ؛ ونحن نعلم زوال الإلجاء مع العلم بالثواب ، ولو كان حاضرا لحلّ محلّ اجتلاب « 1 » المنافع الحاضرة في حصول الإلجاء . فإن قيل : أليس / لو قدّم - تعالى - بعض الثواب لم يقتض الإلجاء فكذلك القول في كله ؛ قيل له : إن اليسير من النفع لا يقتضي من الإلجاء ما يقتضي الكثير ؛ وذلك بيّن في الشاهد ، على ما ذكرناه في العوض . فإن قيل : ألستم تقولون في كل أمر يقتضي الإلجاء : إنه قد يجوز أن يحصل والإلجاء زائل ؛ نحو قولكم : إنه - تعالى - لو ضمن لمشاهد السبع الثواب العظيم على وقوفه لزال الإلجاء ، فهلّا جوّزتم أن يكون مكلّفا والثواب حاضرا والإلجاء مع ذلك زائلا بأمر يفعله تعالى ؟ قيل له : إن الّذي يزيل الإلجاء في المنافع ما يقابلها من المضارّ ، والّذي يزيل الإلجاء في المضارّ ما يوفى عليها من المنافع ، ولا يصحّ في القديم - تعالى - أن يوفّر الثواب على وجه يعرّفه أنه إذا ناله استحقّ مضارّ توفى عليه . وإذا قبح ذلك سقط ما سأل عنه وحل ذلك محلّ الإلجاء على الوجه الآخر ، بأن يعلمه - تعالى - أنه لو رام الفعل لمنع منه في أنه لا يجوز أن يتغيّر والحال هذه . فأمّا إذا شاهده ولم يعلمه له بل جوّزه لغيره فالجنس المشاهد حاصل والإلجاء زائل . فإن قيل : هلّا قلتم : إن ثبوت الثواب لمشقّة التكليف يزيله عن طريقة الإلجاء ؛ قيل له : إذا كان ما يتكلّفه يعلم أنه يؤدّيه إلى الغنم العظيم والزيادة فيه لم يؤثّر فيما ذكرته ، وإنما الّذي يزيل الإلجاء إلى اجتلاب النفع ما يوفى عليه من المضارّ ، فأمّا يسير المضرّة إذا اجتلب بها تلك المنفعة العظيمة فإنها لا تؤثّر في كونه ملجأ ، كما / أن ما يلحقه من السرور
هامش
( 1 ) في الأصل : « اختلاف » .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 521 | القاضي عبد الجبار الهمذاني