بالهرب من السبع لا يؤثّر في كونه ملجأ إلى الهرب .
والقول في العقاب يجرى على نحو ما ذكرناه ؛ لأنه - تعالى - لو أحضره العقاب على بعض معاصيه لألجأه ذلك إلى الامتناع من القبائح والإقدام على الواجب ، وفي هذا زوال التكليف . وما سئل عن ذلك فالجواب عنه مثل ما تقدم .
فإن قيل : أليس قد أمر - تعالى - بإقامة الحدود على المصرّ وذلك عقاب ولم يوجب زوال التكليف فهلّا صحّ مجامعة سائر العقاب للتكليف ؟
قيل له : إن ما يفعل من الحدود يسير من كثير ممّا يستحقّه من العقاب ، ومفعول في وقت يسير فلا يبلغ حاله أن يقتضي الإلجاء . وليس كذلك لو فعل به جميع ما يستحقّه من العقاب في أوقات متوالية . وإذا جاز في مثل الحدود المتقدمة أن يتكلّفها الرجل لبعض الأغراض لم يمنع أن يفعل به ولا يتغيّر حاله في التخلية . ولا يجوز مع كمال العقل أن يكلّف الرجل تحمّل العقاب كله على جهة التوالي لبعض الأغراض وذلك يبيّن الفرق بين الأمرين .
فإن قيل : أليس من قولكم أن المطيع يستحقّ بطاعته أن يفعل به الثواب فيما يليه من الأوقات حالا بعد حال ، فكيف يصحّ مع ذلك أن تقولوا : إنه - سبحانه - لو فعل ما يستحقّه كان لا يصحّ وهل ذلك إلا قول بتظليمه - تعالى - وأن له ألّا يفعل ما وجب عليه ؟ وبطلان ذلك يوجب أن يوفّر / الثواب في حال التكليف ؟ قيل له : إنه وإن استحق الثواب بعد حال الطاعة - على ما ذكرناه - فله - تعالى - أن يؤخّره عنه ويوفّره عليه في الثواب في الآخرة ؛ لأن في تأخير الواجب عنه مصلحة له من حيث يعود الحال لأجل تأخيره إلى أن يصير مستحقا للثواب ، ولو عجّله لأدّى ذلك إلى زوال الحقّ أصلا ، ومتى حصل في تأخير الحقّ هذه المصلحة حسن تأخيرها بل وجب ذلك فيها .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 522
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٥٢٢