تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
ألا ترى أن ولىّ اليتيم لو علم في بعض حقوق اليتيم أنه إذا تعجّله هلك وبطل لزمه تأخيره ؛ لأن في تأخيره ثبوته ، وفي تعجيله هلاكه . فلذلك اقتضت المصلحة تأخير الثواب عن المكلّف ، ولا يجب متى عرض في الحق ما يقتضي تأخيره أن يسقط أصلا ؛ لما قدّمناه في حقّ اليتيم ، ولما سنبينه في الوعيد . فإذا صحّ ذلك ثبت صحّة الجمع بين القول باستحقاق الثواب معجّلا ، وبين القول بأن توفيره مع التكليف لا يصحّ . وقد دلّ شيخنا أبو عليّ - رحمه اللّه - على ذلك بأن قال : من حقّ الثواب أن يكون خالصا من التكدير ولذلك يحسن إلزام المشقّة له ؛ لأنه لا بدّ من أن تبين حال الثواب من أحوال التكليف بأمر يقتضي حسن إلزام المشقة لأجله ، ولا قدر من النعيم تشوبه المضارّ إلا وقد يتحصّل للمكلف في الدنيا فيجب أن يكون الّذي به يبين كونه خالصا وصحة ذلك تبطل القول بأنه يجامع التكليف ؛ لأنه يؤول إلى أنه غير خالص من الشوائب ؛ لأن التكليف مشاقّ فهو بمنزلة الآلام التي لو شابت الثواب / لأزالته عن الوجه الّذي استحق عليه . وأنت تجد ذلك مستوفى في باب الوعيد إن شاء اللّه .

فصل في أن من حقّ التكليف ألّا يتعقبه الثواب والعقاب من غير تراخ

اعلم أنهما لو تعقّبا حال التكليف من غير فصل لاقتضى من الإلجاء ما قدّمناه ؛ لأنه لا فرق بين المنفعة الحاصلة أو القريبة الحاضرة في أنهما يقتضيان الإلجاء . ولو قيل لمن هو في الجنة معاينا الثواب : إن صلّيت دام ما أنت فيه من الثواب لوجب كونه ملجأ إليها . وكذلك لو قيل له وهو غير داخل إليها مع معرفته بحالها : إن صلّيت وصلت إليها بعد سير لحصل ملجأ . وإنما يخرج عن هذه الطريقة بتأخير الثواب . فلذلك قلنا : إنه يجب أن يحصل بين حال التكليف وبين حال الثواب فترة يخرج فيها عن أن يكون مكلّفا ومثابا . واللّه - سبحانه - هو العالم بالقدر الّذي يزول به المكلّف من حدّ الإلجاء