يصح أن يحكم بوجوب انقطاعه ، وخبّرونا لو لم يقطعه القديم - سبحانه وتعالى - ما الّذي كان يقبح ولما ذا يقبح التكليف ؟ فإن قلتم : إنه لا يقبح وإنما يصير القديم - تعالى - غير فاعل للواجب / قيل لكم : فما الّذي أوجب عليه تعالى أن يقطع التكليف وهو غير مستحقّ بما تقدم كالثواب ولا يجرى مجرى التمكين واللطف ، ولو ثبت وجوبه ما الّذي كان يجب من ذلك الاخترام أو الإماتة أو زوال العقل ؟ فإن قلتم : هو - تعالى - مخيّر في ذلك قيل لكم : أوليس لو لم يخلق الشهوة فيه لزال التكليف فيكون مخيّرا بين إقدام على فعل وبين ألّا يفعل بعض مقدّماته .
قيل له : إنا وإن أوجبنا انقطاع التكليف فإنا لا نوقّت ذلك ، ولا يمتنع أن يجب الواجب على الجملة ، وكذلك فلا يمتنع أن يقبح القبيح على هذا الوجه . وقد بينّا في بعض المسائل أنه إذا جاز أن يقبح منه - تعالى - لو خلق حياتين في محل واحد [ أو مع إحداهما « 1 » ] لا بعينها فغير ممتنع مثله في القبائح وغيرها .
فإن صحّ أن إدامة التكليف في بعض الأوقات مفسدة قبحت إدامته في تلك الحال ، ولا نريد بذلك أن الباقي يقبح ، وإنما نريد ما يحدث مما لا يتمّ التكليف إلّا به ومعه .
فإذا لم يثبت ذلك في التكليف وجب في الجملة قطعه من غير تعيين بوقت . والقديم - تعالى - هو العالم بما يتفضّل به في ذلك .
واعلم أن المحصّل في هذا الباب أنه - تعالى - لا يحسن منه في الابتداء أن يريد من المكلف الفعل في كل حال ، وأنه إنما يحسن منه أن يريد ذلك منه في أوقات متقطعة وهو متفضّل بقدر ما يريده ويمكّن منه / فليس لأحد أن يوقّت هذا الباب على وقت الوجوب وأصله تفضّل . فالذي يحكم بقبحه من الإرادات لو كلّف دائما غير معيّن على ما قدمنا في الحياتين . وليس وراء ذلك إلا أنه يكلف منقطعا وهو متفضّل بقدر ما يكلّفه ولا مسألة علينا فيه .
هامش
( 1 ) في الأصل : « أحدهما » .