تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 515

مساهمون:

ص٥١٥
عالما بصفة ما لم يفعله ويكون كامل العقل على ما قدّمنا القول فيه . ويجب ألّا يفعل القبيح لقبحه . فإذا تكاملت فيه هذه الشروط يستحقّ المدح بألّا يفعله ويحتاج في استحقاق الثواب إلى أن يكون ما لم يفعله من القبيح يشتهيه أو يكون في حكم المشتهى له يجرى مجرى الفعل الشاقّ فيستحق الثواب عليه ، ولذلك لو لم يفعل أحدنا شرب الخمر لأنها تضرّه لم يستحقّ بذلك مدحا ، حتى إذا تركه لقبحه استحقّ المدح . وكذلك القول في سائر القبائح . وما نقوله من أنه متى فعل الواجب لوجوبه وللثواب ولم يفعل القبيح لقبحه وللثواب لا يخرج من أن يستحقّ المدح به والثواب لا يؤثّر فيما قلناه لأنا إنما منعنا من أن يستحقّ المدح متى فعل الفعل للنفع ، فأمّا إذا فعله لما له وجب ولأمر آخر لا يقدح في أن يكون مفعولا لوجوبه / فذلك غير مؤثّر فيه . فأمّا القبيح فإنه مستحقّ الذمّ لوجهين فقط : أحدهما أن يكون قبيحا والثاني أن يكون عالما بقبحه أو متمكّنا من معرفة قبحه فيصحّ منه التحرّز من فعله مع العلم ومع التمكّن . والخلاف في أنه يجب أن يشرط في ذلك أن يكون فاعله كامل العقل . وما قدّمناه يكفى قد مضى القول فيه . ولا يجب أن يشرط في ذلك أن يفعله لقبحه ، لأنه متى أقدم عليه مع علمه بقبحه يستحق الذمّ وإن فعله للنفع ، وهذا مقرّر في العقول ، لأن الظالم يقصد فيما يفعله الانتفاع ولا يخرج من أن يكون مستحقا للذمّ . فأمّا إذا استحق الذمّ لأنه لم يفعل الواجب فالقول فيه جار على ما تقدّم ؛ لأنه لا يجب أن يشرط فيه ألّا يفعله لوجوبه بل متى ثبت وجوبه عليه ولم يفعله مع علمه بوجوبه أو تمكّنه من معرفة ذلك فإنه يستحقّ الذمّ لا محالة ، لمثل العلّة التي قدمناها في الظلم والقبيح . وإنما صحّ ما قلناه من اعتبار حال الفاعل ، لأن الذمّ يستحقّ بالفعل ويستحقه الفاعل فله تعلّق بهما ، فكما يجب اعتبار