/ وإنما شرطنا في ذلك أن يفعله لحسنه في عقله لما قدّمناه من أنه لا بدّ من أن يفعله لوجه يستحق المدح ، ولا يستحقه متى فعله لاجتلاب منفعة أو دفع مضرّة ، فلم يبق إلا أنه إنما يستحقه متى فعله لحسنه في عقله . وقد ذكر شيخنا أبو هاشم - رحمه اللّه - أن من يفعل الحسن لا لحسنه في عقله لا يستحقّ به الثواب . لأنه يصير في حكم المبتدئ بالفعل ، فكما لو ابتدأه من غير إيجاب وتكليف لم يستحقّ الثواب به فكذلك إذا فعله لا للوجه الّذي وجب . وهذا بيّن في الثواب من حيث يرجع استحقاقه إلى إيجاب الموجب وليس كذلك المدح ، ولذلك يستحقّه القديم - تعالى - كالواحد منّا . فلقائل أن يقول : إنه يستحق المدح بالواجب إذا فعله وإن لم يفعله لما له وجب كما يستحقّ الذمّ بالقبيح إذا فعله وإن لم يفعله لما له قبح ، لكن قد يمكن أن يقوى ذلك في المدح بأن يقال :
إن الوجه الّذي يفعل عليه الفعل إذا اعتبر في الثواب فيجب اعتباره في المدح ؛ ألا ترى أنه لمّا لم يعتبر في باب الذمّ ذلك لم يعتبر في باب العقاب ، وإن كان استحقاق العقاب لا بدّ من أن يرجع فيه إلى التكليف دون الذمّ ، فلا يمكن أن يفصل بين المدح والثواب بهذه الطريقة .
ويمكن أن يقوّى ذلك بأن يقال : إنه لا حسن يستحقّ به المدح إلّا ولا بدّ من اعتبار وجه له زائد على ما يرجع إلى حسنه وذاته فيجب اعتبار وجه يرجع إلى غرض فاعله ونفصل / بذلك بينه وبين القبيح ، لأن القبيح قد يقبح منه الإقدام عليه وإن لم يقصد به بعض الوجوه كالظلم ، وليس كذلك الحسن ؛ لأنه لا بد فيه من اعتبار زائد على حسنه ، لأن العلم وإن حسن على كل حال عند شيخنا أبى هاشم - رحمه اللّه - وكذلك النظر المولّد فلا بدّ فيهما من أمر زائد على حسنه فأمّا ردّ الوديعة فلا شبهة فيه لأنه حركات تقع على بعض الوجوه . فأمّا استحقاق المدح لأنه لم يفعل القبيح فيجب أن يشترط فيه التخلية ، لأن الملجأ إلى ألّا « 1 » يفعل الشيء لا يستحق المدح به ، ويجب أن يكون
هامش
( 1 ) في الأصل : « أن » .