تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 513

مساهمون:

ص٥١٣
الشرائع ، لكنه لا يصحّ أن يجعل شرطا مطلقا على حدّ ما نذكره في استحقاق الذمّ بفعل القبيح ، لأنه إنما يصحّ هناك لأنه لا قبيح إلّا ولو فعله مع التمكّن من العلم به يحلّ محلّ أن يفعله مع العلم به في استحقاق الذمّ ، وذلك لا يتمّ في الحسن فيجب أن يذكر مقيدا بالموضع الّذي يصحّ ذلك فيه . فأمّا الوجه الّذي يجب أن يوجد / الفعل عليه ليصحّ استحقاق المدح فأن يفعله لحسنه في عقله ، لا لمنفعة ولا دفع مضرّة ، ولا لوجه يفعل له الفعل ؛ لأنه متى فعله لا لغرض كان عبثا فلا يصحّ أن يستحقّ المدح به ومتى فعله للنفع أو لدفع المضرّة لم يستحقّ به المدح ؛ لأنه قد ثبت أن كل فعل انتفع فاعله به ودفع به المضرّة لا يستحقّ به المدح كالأكل والشرب وغيرهما . ولا يقدح في ذلك ما نقوله من أن ما يتحرّز به من المضارّ واجب ؛ لأنا إنما نقول ذلك إذا لم يحصل فيه النفع ولا وقع به دفع ضرر حاضر ؛ لأنه متى كان الحال ذلك كان ملجأ إلى فعله ، ولا يجوز أن يستحقّ المدح بفعل ما هو ملجأ إلى أن يفعله أو ألّا يفعله على ما قدّمناه في باب الإلجاء ولا يخرج عن هذه الطريقة إلا ما يلحق بفعله مشقّة ويتحرّز به من مضارّ غير حاضرة . ولا بدّ من أن يشترط في ذلك ألّا يكون الفاعل ملجأ إلى فعل الواجب المستحق المدح به ؛ لأنه كما يجب كونه عاقلا عالما بحسنه فكذلك يجب أن يكون مخلّى بينه وبين الفعل ، لأن المحمول على الفعل بالإلجاء لا يستحق المدح على ما يفعله ، وذلك يعلم ببديهة العقل ، كما يعلم أوّلا في العقل أن الساهي لا يستحق المدح على ما يفعله ، ويعلم أن من لم يكمل عقله لا يستحق المدح بالفعل « 1 » لأنه لو استحقه لم يمتنع أن يكثر ما يستحقّه من المدح كما يكثر ذلك في العاقل وهذا مما يعلم فساده كل عاقل وإنما يشتبه الحال في اليسير من المدح فيجوز أن يستحقه المنتقص العقل .
هامش
( 1 ) في الأصل : « بالعقل » .