عالم بكل قبيح لم يفعله ، فلذلك وجب من تكلّف الجواب عنه ما لا يجب في الشاهد ، فقد بينّا أن استحقاق ما لا نهاية له يستحيل وأن ما يستحيل استحقاقه يؤثّر في سببه على بعض الوجوه . فكما يجوز خروجه من كونه سببا للاستحقاق أصلا جاز خروجه من كونه سببا لاستحقاق ما لا نهاية له . وليس هذا من قولنا في الثواب / بسبيل ؛ لأنا وإن حكمنا فيه بأنه لا نهاية له فإنما نوجب ذلك فيه في أوقات لا تتناهى . فأمّا في الوقت الواحد فالمستحقّ منه محصور . فإن طالبنا السائل بأن يستحق - تعالى - مدحا لا يتناهى على الوجه الّذي قلناه في الثواب فذلك مما نقول به . وإنما يمنع من استحقاق مدح لا نهاية له في الوقت الواحد أن ذلك يستحيل فعله وما استحال فعله استحال استحقاقه .
فأمّا الذمّ فإنه يستحقّ على وجهين : أحدهما أن يفعل القبيح ، والثاني ألّا يفعل ما وجب على « 1 » عقله لأن العلم بحسن ذمّ من اختصّ بهذين الوجهين أوّل في العقل ، فإذا حسن ذمّه عليهما ثبت كونه مستحقّا للذمّ عليهما ؛ لأن الذمّ لا يحسن إلّا على جهة الاستحقاق إذا عظم وفعل على جهة القطع . وسنذكر القول فيما يفعل منه على جهة الشرط أو على جهة الدعاء إلى اجتناب الصالح . فأمّا ما يفعل من الذمّ لخصال الشرّ فليس من هذا في شيء ؛ لأنه لا يجرى مجرى العقاب ولأنه إبانة عن أن غيره لم يخصّه من النعم بمثل ما خصّ به غيره ، نحو ذمّنا المجنون والعاجز ومن ينسب إلى بعض الفراعنة . وليس يلزم على ذلك ما قدّمناه من السؤال ؛ لأنه - تعالى - لا يصحّ أن يجب عليه ما لا نهاية له في الوقت الواحد فيقال : لو لم يفعله فكيف كان حال ما يستحقّه من الذمّ ، تعالى عن ذلك ، وكذلك الواحد منا . فأمّا ما لا يفعله من الحسن الّذي يستحقّ به المدح لو فعله من حيث كان فضلا فلا يستحقّ الذمّ بألا يفعله ، كما لا يستحقّ الذمّ بألا يفعل التفضّل . وإنما يلزم هذا السؤال على هذا الحدّ من يقول بالأصلح ؛ لأنه قد أثبت لما لا نهاية له من
هامش
( 1 ) كذا . وكأن الأصل : في عقله .