تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 503

مساهمون:

ص٥٠٣
وإرادته قبيحان ، ولأن الغرض بالتكليف تعريض المكلّف للنفع ، وذلك لا يتأتى في القبيح ؛ لأنه يستحقّ به الضرر دون النفع . فإن قال : جوّزوا أن يكلّف - سبحانه - ألّا يفعل العبيد القبيح ، كما يكلّف أداء الواجب ؛ قيل له : إنا لا نمتنع من إطلاق ذلك لأنه - تعالى - قد أوجب في عقله أن يفعل ترك القبيح وألّا يفعله بألّا يقدم عليه . فإن أراد بما سأل عنه ذلك فقد أجبناه إليه ، وإن أراد أنه - تعالى - يكلّف بفعل القبيح بأن يكون انتفاء الفعل وبقاؤه معدوما يدخل تحت القدرة والأمر فمحال ؛ لأن القدرة إنما تتناول الشيء على جهة الإحداث . فأمّا المباح الّذي لا صفة له زائدة على حسنه فلا يجوز أن يدخل تحت التكليف ؛ لأنه لا يستحقّ بفعله المدح ولا الثواب على وجه . والأصل في هذا الباب أن تكليفه - تعالى - لا يصيّر للفعل صفة ليست له ، وإنما يدل على حال الفعل ، وأنه بالصفة التي يقتضي العقل له الأحكام المخصوصة ، وقد بينّا فساد القول بأن القبيح يقبح بالنهى ، والحسن يحسن بالأمر ، وبينّا أن أوامره - تعالى - ونواهيه تكشفان عن حال الفعل وتدلّان على أنه على صفة مخصوصة يقتضي العقل فيه أحكاما / مخصوصة . فإذا صحّ ذلك لم يمكن أن يقال : إن القديم - تعالى - إذا كلّف العبد الفعل لحق بالواجب أو الندب لمكان تكليفه . فإن قال : إنه - تعالى - إذا كلف الحسن فقد ضمن الثواب عليه ، فلذلك يجب أن يلحق بالواجب وإن كان مباحا ؛ قيل له : إن الثواب لا يستحقّ بالفعل من حيث تضمّنه - تعالى - أو يعد بفعله ، بل يجب أن يستحق بالفعل على جهة الوجوب ، حتى لو أخبر - تعالى - بأنه لا يثيب عليه لم يتغيّر حاله . فإذا صحّ ذلك بطل ما سأل عنه . ويخالف تكليفه - تعالى - أمر السيد عبده والوالد ولده بالفعل ؛ لأنهما يأمران بما لهما فيه نفع ، فلا يمتنع أن يحصل للفعل عند أمرهما من الحكم ما لولاه لما حصل ، من حيث يعلم بأمرهما السرور والرضا . وليس كذلك حاله - تعالى - لأنه إنما