لسنا نحتاج إلى إثباته بالأدلة ، وإنما تقع الشبهة في أنه إذا استحق المدح والذمّ على ما قدمناه فعلى ما ذا يستحق ، ولأيّة علة يستحق ، وفي الوجه الّذي إذا فعله عليه يستحق ذلك ، ونحن نشرح ذلك إن شاء اللّه .
فصل في الوجه الّذي له يستحق الإنسان الذمّ والمدح
قد بينّا أنه يحسن في العقل مدح المحسن ومن يفعل الواجب والندب ، فلا يخلو من أن يكون ما حسن منه فعله مستحقا أو غير مستحقّ ، ولا يجوز إلا أن يكون مستحقّا ؛ لأن ما لا يستحقّ من هذه الأحكام لا يحسن منا فعلها ؛ ألا ترى أنه لا يحسن منا شكر من لا يستحقّ ذلك الإنعام وعبادة من لا يستحقّ ذلك بالنعمة العظيمة ؛ ولا يقدح في ذلك ما نقوله من أن اليسير من المدح والذمّ قد يحسن من غير استحقاق ، لأن ذلك لا يؤثّر في أن الكثير منه لا يحسن إلّا على جهة الاستحقاق لما قدّمناه . فإذا ثبت ذلك لم يصحّ أن يقال : إنه يحسن في العقل مدح فاعل الواجب وهو غير مستحقّ للمدح .
فإذا صحّ كونه مستحقّا لم يخل ما له يستحقّه من أن يكون راجعا إلى القديم - تعالى - جعله مستحقّا له بالأمر والنهى ، أو يستحقّه لأنه فعل الواجب ، وامتنع من القبيح على ما نقوله . وقد أبطلنا من قبل أن يكون مستحقّا للتعبّد بأن قلنا : إنه كان يجب أن يكون حسن مدحنا وذمّنا لمن نذمّه ونمدحه موقوفا على السمع وألّا يستحسن ذلك من لم يعرف السمع ، وأنه لا فرق بين هذا القول وبين من قال بمثله / في العلم بحسن سائر المحسّنات وقبح سائر المقبّحات . ولا فرق بين هذا القول وبين من جعل سائر العلوم مفتقرة إلى السمع . فإذا ثبت فساد ذلك أجمع فلا بدّ من أن يكون الموجب لاستحقاق المدح والذمّ كونه فاعلا ، على ما قلناه ؛ لأنه قد أبطلنا قول من يقول : إنه يستحق ذلك لكونه مكتسبا ، وتكلّمنا عليه فيما تقدم . فإن قيل : إن كان إنما