تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
يكلّف لغرض يعود إلى العبد ، فلا بدّ من أن يكون الفعل يقتضي استحقاق المدح والثواب ليحصل به هذا الغرض . فإن قيل : ولم قلتم : إن المباح لا يستحقّ به المدح والثواب كالواجب والندب ؟ قيل له : لأن الأصل فيما « 1 » يستحق به ذلك وما لا يستحق ما تقرّر في العقل ، وقد ثبت أن من يفعل المباح لا يحسن في العقل مدحه ؛ كما ثبت أن من يفعل الواجب والتفضّل يحسن في العقل مدحه ، فلا فرق بين من ألحق المباح بهما ، وبين من ألحقهما بالمباح في زوال المدح في الخروج عن قضية العقل . فأمّا ما للمرء فيه النفع من المأكول وغيره فالإنسان ملجأ إلى تناوله ، وقد بينّا أن التكليف لا يتناول ما هذا حاله ، فكل فعل حسن ليس بواجب ولا ندب ولا فيه على الفاعل فيه مشقّة لا يخلو من أن يكون مباحا ، أو الإنسان إلى / فعله ملجأ ، وكلاهما لا يدخلان تحت التكليف . فإذا يجب قصر التكليف على الواجب والندب فقط . وقد بينّا أن الإنسان وإن استحق المدح بعدوله عن المحرّم الأشهى إلى ما دونه فإنما يعود المدح في الحقيقة إلى أن استحقّه من حيث لم يفعل ما قويت شهوته في فعله ، فليس لأحد أن يقول بأن التكليف يتناول الشهىّ إذا عدل به عما هو أشهى منه . فإن قيل : أليس العلماء قد اختلفوا في النكاح ، فمنهم من يجعله ندبا ، ومنهم من يجعله واجبا ، وقد قالوا في المولى « 2 » من امرأته : إنه يلزمه الوطء ، وإنه إذا لم يأت بالفيئة « 3 » فقد بانت ، ويلزمه أن يطلّقها بعد تقضّى المدّة ، وكل ذلك يبطل ما ذكرتموه ؛ قيل له : إنّ العقد وتحمّل المشقّة في شروطه وأوصافه لكي يوصل به إلى تحليل الوطء ممّا على النفس فيه كلفة ، ولا يمتنع أن تكون فيه مصلحة ، فلذلك صحّ اختلاف العلماء فيه ودخوله تحت التكليف . فأمّا الوطء فإنما قالوا : إنه إذا لم يفئ فقد بانت أو يلزمه
هامش
( 1 ) في الأصل : « مما » . ( 2 ) هو الّذي أقسم ألا يطأ امرأته . ( 3 ) أي بالوطء والحنث في اليمين .