والّذي ذكرنا من الشرط أولى مما يجرى في بعض الكتب : أنه يجب أن يشرط كون ما يفعله صلاحا . وذلك لأن في الأرزاق ما لا يكون صلاحا ولا فسادا ويحسن منه تعالى أن يفعله بمن طلبه . فللطالب أن يطلب الرزق على هذا الوجه وإن لم يكن صلاحا في التكليف ولا فسادا فيه ، إلا أن يريد بذلك كونه صلاحا في دين أو دنيا فيصح ذلك إذا أريد به النفع الحسن ، لأن الصلاح قد يقع على النفع وإن كان / قبيحا ، لما يقع عليه وإن كان حسنا ، من جهة اللسان « 1 » .
فإن قيل : أفليس ما كان صلاحا من الأرزاق في التكليف فاللّه تعالى يجب أن يفعله لا محالة ، وإن كان التفضّل منه بخلاف ذلك فما الفائدة في المسألة وما وجه التعبد به .
قيل له : إن العبد لا يعلم أن ما يطلبه من الرزق هل هو من قبيل المصلحة في التكليف أو من قبيل التفضل . وإذا لم يعلم ذلك جوز أن يكون طلبه بفعل أو قول يكون سببا لأن يفعله تعالى ويتفضل عنده ، فلذلك يحسن منه الطلب ، ويحسن من اللّه تعالى التعبّد بذلك ، وإن كان لو علم العبد أن ما يفعله تعالى مصلحة في التكليف كان يحسن منه ذلك لأنه يجوز أن يكون وجه كونه صلاحا الطلب والدعاء ، ولولا هما لم يكن مصلحة ، فيحصل في ذلك أعظم الفوائد . وقد روى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه أن الصدقة « 2 » تدفع القضاء المبرم من السماء ، من حيث كان عندها يكون الصلاح رفع المضارّ عنه . وذلك يسقط ما سأل عنه ، على أنه لو ثبت أن ما يطلبه هو صلاح لا محالة ، وأنه يجب أن يفعله تعالى لم يمتنع أن يحسن الدعاء . لما فيه من الانقطاع إلى اللّه تعالى . في هذه الأمور ، فيحسن لهذه العلّة أن يتعبد تعالى بذلك إذا علم أن للمكلّف فيه صلاحا وخيرا . لا يمتنع أن يحسن أيضا لما للداعي فيه من المنفعة وتعجل السرور بأن يغلب على ظنه أنه تعالى يفعل ذلك ، فيحسن منه الطلب ، وإن كان لا بد من أن يفعله تعالى إذا علم أنه مصلحة للمكلفين .
هامش
( 1 ) أي اللغة .
( 2 ) انظر في الكلام على هذا المقال الانتصار 129