فالقديم تعالى متفضّل به ، له أن يرزقه وله ألّا يرزقه ؛ لأنه ليس هناك ما يوجب الرزق أو خلافه ، وهو من النعم فيجب كونه تعالى متفضّلا به .
وسندلّ من بعد على أن الأصلح في غير باب الدّين لا يجب عليه تعالى . فليس يصحّ القول بوجوب ذلك ، ولا القول بأنه سبحانه مستحقّ الذمّ والنقص إذا لم يفعله هذا إذا لم يلحقه مضرة بألّا يرزقه ، وتكون تلك المضرة من قبله تعالى أو سببها من قبله ، فمتى كان الحال ما قلناه وجب عليه تعالى أن يرزقه ليزيل به المضرة التي أنزلها به ؛ لأنه لا يمتنع أن يكون في تلك المضرة مصلحة لبعض المكلفين ، فيحسن منه تعالى فعلها أو فعل سببها ، ويوجب في عقل من اختصّ بها التحرز منها ، فيجب أن يعطيه ما يتحرّز به منها في المستقبل ، إلّا أن يكون في دوام ذلك الضرر مصلحة في التكليف فيحسن منه تعالى إدامتها أو إدامة سببها ، ويعوّض عليه في الآخرة كالأمراض والأسقام .
وإنما [ لم « 1 » ] يلزم الواحد منا في العقل أن يعطى الجائع طعاما ؛ كما لزمه تعالى ؛ لأنه المختصّ بفعل الجوع أو سببه ، فوجب عليه فعل ما يزيله به ، أو ما يقوم مقامه من العوض . وليس / كذلك الحال لواحد منا ، إلا أن يلحقه غمّ لما عليه الجائع من المضرة فيلزمه أن يطعمه إذا كان مزيلا لغمّه ، غير جالب لأكبر منه ، فأمّا إن جلب غمّا أكبر مما هو عليه فإنه لا يلزمه الإطعام ، ويلزمه القدر الّذي لا يؤدّى إلى أعظم ممّا هو فيه من الغموم .
وهذه جملة كافية في هذا الباب .
فصل في الوجه الّذي يحسن عليه من العبد طلب الرزق ، أو يجب أو يحرم ، وما يتّصل بذلك
اعلم أنا قد بينّا أنه يحسن من العبد ابتغاء الرزق من جهة العقل والسمع ، وأبطلنا
هامش
( 1 ) زيادة اقتضاها السياق .