تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
فالواجب على القديم تعالى أن يرزقه العبد ، مكلّفا كان أو غير مكلّف ؛ لأنه لا يمتنع أن يكون عطيّة الابن لطفا ( من « 1 » الأب ) ، وهذا إنما يجب ؛ لأن تقدم التكليف اقتضاه ؛ كما اقتضى وجوب التمكين بالآلات والقدر ، ولولاه لم يكن واجبا . فأمّا إذا كان المعلوم من حال الرزق أنه مفسدة للمكلف ، فالواجب فيه الحرمان ؛ لمثل ما تقدم من العلّة . وقوله تعالى
( وَلَوْ
« 2 »
بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ )
وقوله
( وَلَوْ لا
« 3 »
أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً )
الآية ، يدلّ على ما قلناه . وقد روى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( أنه تعالى يقول : إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ، ولو أغنيته لأفسده ذلك ، ومنهم من لا يصلحه إلّا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك ) . وما يجرى عليه تدبير أحدنا لولده يشهد بذلك ، لأنه قد يقوى في ظنّه أن الإفضال عليه والإكثار من ذلك قد يطغيه ويفسده ، وربما يكون صلاحه [ في ذلك ] وربما يكون الصلاح في قدر منه دون قدر ، فما قلناه إذا غير ممتنع . فإن قيل : فما قولكم فيمن الصلاح أن يحرم الرزق أتقولون : إنه يحسن من القديم تعالى أن يبقيه مع ما يلحقه بخلقه من المضرة . قيل له : نعم ؛ إلا أنه تعالى إذا كان قد جعله بالصفة التي تلحقه المضرة بفقد الرزق ، ومنعه من المسألة والطلب لكون ذلك صلاحا له ، فيجب أن يعوّضه على ذلك ؛ كما يجب ذلك فيما يفعله به من الأمراض التي تحسن للمصلحة . فأمّا / إن كان الفساد في أن يعطيه الرزق من بعض الوجوه وأباح له التماسه من الناس على وجه يعلم أنه يصل به إلى ما يزول عن نفسه به المضرة ، فلا يجب العوض عليه تعالى . فأمّا إذا كان الصلاح في أن يعطيه الرزق أو يحرمه بتساو « 4 » ، ولم يكن لذلك تعلّق بالتكليف في صلاح وفساد ،
هامش
( 1 ) في الأصل : « للأب » . ( 2 ) الآية 27 سورة الشورى . ( 3 ) الآية 33 سورة الزخرف ( 4 ) في الأصل : « بتساوي » من غير نقط .