تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
قول من خالف في هذا الباب . فإذا صحّ ذلك ، وكان طلب الرزق من اللّه تعالى قد يكون بالفعل الّذي جرت العادة في الأكثر أن يرزق تعالى عبده : من تجارة وصناعة ، وقد يكون بالقول الّذي هو الدعاء والمسألة ، على ما ندب تعالى إليه لما فيه من الانقطاع إليه تعالى ، وعلى ما يقتضي العقل حسنه ، فيجب أن يحسن من العبد طلب الرزق بالوجهين جميعا ؛ كما يحسن منه تعالى أن يرزقه عند كل واحد من الأمرين ؛ لأن طلب الحسن يحسن إذا كان للطالب فيه منفعة وبغية . فإن قيل : أليس قد يطلب الرزق ، والمعلوم من حاله أنه لو فعل به لكان فسادا ، فيجب ألّا يحسن طلبه مع تجويزه ذلك ، ولا شيء يطلبه الواحد منا إلا ويجوز ذلك فيه ؛ فيجب ألّا يحسن طلب ذلك أصلا ، لا بقول ولا بفعل ؛ لما فيه من الإقدام على ما لا نأمن كونه قبيحا ، وهذا يوجب صحة قول من يحرم / المكاسب . قيل له : إن طلب الشيء بشرط لا يمتنع ، كما لا يمتنع طلبه بغير شرط . فإذا صحّ ذلك وجب أن يشرط الطالب للرزق منه تعالى ما إذا شرط فيه خرج ما التمسه لو فعل من أن يكون قبيحا ، وهو أن يشرط إما مظهرا أو مضمرا ألا يكون ما يطلبه مفسدة في التكليف ، ومتى شرط ذلك فقد التمس المنافع على وجه يعلم أنها لو وقعت عليه كانت حسنة ، فيجب أن يحسن منه التماسها على هذا الوجه . وإنما وجب ذلك لأن ما خرج من المنافع التي يفعلها تعالى بالعبد في دار الدنيا من أن يكون مفسدة وجب حسنه ، لأنه لا وجه من وجوه القبح يحصل فيه والحال هذه ؛ لأنه قد ثبت أنه تعالى لا يفعل الثواب في دار التكليف ، فيقال في بعض المنافع : إنه يفعله على الوجه الّذي يحصل الثواب عليه والمفعول به غير مستحق ، فيكون قبيحا ، وإن لم يكن مفسدة ، ولا طالب الرزق يطلب ما يطلبه على هذا الوجه ، فليس لأحد أن يعترض بذلك على كلامنا ؛ لأنا قد قيّدنا الكلام بما يزيل لزوم ذلك عنه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 49 | القاضي عبد الجبار الهمذاني