وقد يجوز أن يضطرّه - تعالى - إلى المعرفة بحال ما المعلوم من حاله أن عليه في الشك فيه مضضا « 1 » وكل ذلك يبطل التعلّق بما ذكرناه . وقد قال شيخنا أبو علي - رحمه اللّه - : إن من هذا حاله متى خطر بباله أمر الصانع فإن شكّه في ذلك كجهله مع التمكّن من المعرفة . وليس الأمر كما قال ؛ لأن الشكّ لو قبح لقبح في ابتداء حال التكليف ، ولما صحّ على طريقتها وجوب النظر ؛ لأنه لا بدّ من أن يجامعه الشك .
فإذا صحّ في الابتداء حسن الشكّ لم يمتنع في هذا العاقل أن يحسن منه الشكّ في سائر الأوقات ؛ من حيث صار التوقّف في كل أمر لا يعرف حسنا « 2 » وقد صار هو كالممنوع من فعل الجهل وفعل النظر لما عليه فيه من الكلفة ، فلا سبيل له إلّا إلى الشكّ ، على ما تقدم القول فيه . وليس له أن يقول : إن من هذا حاله يجب أن يعرف اللّه كما وجب ذلك في أهل الجنة ؛ لأن الّذي له وجب له ذلك فيهم استحقاقهم للثواب ، وأن توفيره عليهم على الحدّ الّذي استحقّوه لا يصحّ ولا يحسن إلا مع معرفة اللّه - جلّ وعزّ - على ما نبيّنه من بعد . وليس كذلك حال هذا العاقل لأنه ليس بمستحقّ للثواب فيجب أن يحسن منه - تعالى - ألّا يكلفه المعارف وإن لم يضطرّه إلى معرفته - تعالى - لزوال العلّة التي لها وجبت الضرورة في أهل الجنة / والنار .
وقد بينّا من قبل أن زوال التكليف عن هذا العاقل لا يوجب الإهمال والإمراج من حيث لا يتضمّن التخلية بينه وبين القبيح من حيث ألجأه إلى ألّا يفعله وإنما يوصف الواحد منا بذلك إذا خلّى بين من يلي عليه وبين القبيح .
فأمّا من قال : إن القبيح أقلّ إذا كان بهذه الصفة فيجب أن يكلّف ؛ لأنه قد يجوز أن يكون في المعلوم أنه متى كلّف آمن ، فترك تكليفه يقتضي الاقتطاع عن منزلة
هامش
( 1 ) في الأصل : « مضض » .
( 2 ) في الأصل : « حسن » .