لم يكن عالما فيما يطلب بالنظر العلم به ، فأمّا إذا علم ذلك فطلب العلم متعذّر . ولذلك لا يصحّ منه - تعالى - أن يفعل العلم لنفسه عن النظر ولا يصحّ منا ذلك فيما نعلمه باضطرار . وإنما صحّ منا النظر في دليل بعد دليل لأنا نطلب بالنظر في الدليل الثاني المعرفة بحال الدليل وما له من التعلّق بالمدلول عليه دون المعرفة بحال المدلول عليه .
فأمّا الطريقة التي استبدّ بها شيخنا أبو هاشم - رحمه اللّه - فواضحة ؛ لأنه - تعالى - إذا أكمل عقله وأغناه بالحسن عن القبيح وعرّفه القبيح وعلم أنه لا يشبه عليه القبيح بالحسن / أو منعه من ذلك فإنه إذا اختصّ بهذه الصفة لم يكن له إلى فعل القبيح داع وحصل ملجأ إلى ألّا يفعله من حيث عليه في فعله ذمّ ومضرّة ولا نفع له في فعله . ويعتبر من هذا حاله في أن القبيح لا يقع منه بمنزلة القديم سبحانه ، وإن كان يختصّ من حيث يلحقه المضرّة والذمّ بالقبيح أن يكون ملجأ إلى ألّا يفعله . وكلامه - رحمه اللّه - ربما اقتضى كونه ملجأ إلى ألّا يفعل القبيح ، حتى ذكر في أهل الجنّة أنه لا يمتنع أن يلجئوا إلى ألّا يفعلوا المقبّحات على هذه الطريقة ، وذلك يغنى عن أن يلجئهم بأن يعلمهم أنهم لو أرادوا فعل القبيح لحيل بينهم وبينه . وربما مرّ في كلامه أن من هذا حاله ليس له إلى فعل القبيح داع فلا يحسن أن يكلّف وإن لم تحقّق فيه طريقة الإلجاء . والّذي تقدّم أولى ؛ لأن الإلجاء إذا ارتفع حسن التكليف من حيث يصحّ ألا يفعل القبيح لقبحه في عقله كما يفعل الواجب لوجوبه . وهذه طريقة المكلّف فيما يأتي وما يذر .
والّذي قلناه في هذا الباب أولى من قوله - رحمه اللّه - دائما : إنه يجعل شهوته فيما حسن في عقله ، ونفور نفسه عما قبّحه في عقله ، لأن ذلك لا يصحّ من حيث وجب في الشهوة أن تتعلّق بالجنس أو الضرب ؛ كان قبيحا أو حسنا ، فلا يتميّز منه ما يتعلّق بالقبيح عما يتعلّق بالحسن . وإنما أراد - رحمه اللّه - أنه - تعالى - يغنيه بالحسن عن القبيح فيصير بمنزلة من لا يشتهى إلا الحسن وهو نافر الطبع عن القبيح فإن قال .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 496
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٩٦