تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 497

مساهمون:

ص٤٩٧
الناصر لمذهب شيخنا أبى على - رحمه اللّه - : إن من هذا حاله يجب أن / يكلّفه اللّه المعرفة به إذا لم يضطرّ إلى ذلك لأنه يؤدّى إلى أن يكون مبيحا للقبيح من حيث لم يكلّفه المعرفة ولا اضطره إليها ؛ قيل له : قد بينّا من قبل أن تركه التكليف في ذلك لا يوجب كونه مبيحا للجهل ، وكشفنا القول فيه ، وكيف يكون مبيحا للأمر الّذي تقرر في العقل قبحه وعلم أنه إن فعله يستحقّ عليه الذمّ . فإن قال : إذا علم بعقله قبح القبيح من الجهل وغيره فكيف يصحّ ألّا يكون - تعالى - مانعا له منه إما بقهر أو بنهى ؛ قيل له : لأنه إذا ألجأه إلى ألّا يفعل القبيح كان ذلك أبلغ في باب المنع من النهى وغيره ، وقد بينا أن من هذا حاله يصير ملجأ إلى ألّا يختار فعل القبيح . وقد أبطلنا قول من قال : إنه - تعالى - يجب أن يكلّف من هذا حاله المعرفة لقبح تركه الّذي هو الجهل بأن قلنا : إن الواجب أن يبين أن تكليف المعرفة واجب بأمر سوى قبح الجهل ؛ لأن ذلك يؤدّى إلى أن يقبح الجهل لوجوب المعرفة ، وتجب المعرفة لقبح الجهل ، بل يؤدّى إلى أن يجب على العبد من المعارف ما لا نهاية لها من حيث يصحّ منه تروكها من الجهل لو أقدم عليه ، وبينّا أنه يمكّن من ألا يفعل الجهل ولا المعرفة بأن يتوقّف ويشكّ ، ويحسن ذلك منه كما يحسن منّا في الأمور التي لا نعرفها أن نتوقّف . وقد قال شيخنا أبو هاشم - رحمه اللّه - : إن علم أنه يلحقه في التوقّف والشكّ مضض فإنه يجب أن يكلّف ، ومتى لم يلحقه ذلك لم يجب ذلك فيه . ولم يقل هذا لأن الشكّ إذا كان معنى وجب ذلك فيه ؛ وإنما أراد أنه قد يخطر ببال العاقل الشيء فيلحقه ما يجرى مجرى الكلفة والمشقّة / بألّا يعلم أحواله أو لا يعرف السبب فيها فذلك مستمرّ ، أثبتنا الشك معنى أم لا . وقد يصحّ منه سبحانه أن يصرف دواعيه عن طلب المعرفة به فلا يلحقه في الشكّ كلفة كما لا كلفة علينا في الشكّ في كثير من تصرّف الناس .