غلّط فيما بعد ، وإن تعلقهم بأنه - تعالى - لا يصح أن يضطر العباد إلى العلم به - سبحانه - لاستحالة كونه مدركا ، ولأنه لو جاز أن يفعل العلم به لغيره لجاز أن يفعل العلم به لنفسه لا يصح من حيث ثبت أن العلوم وإن اختلفت في الحسن فإن ذلك غير مؤثر في كون القادر قادرا على جميعه . فإذا صح كونه - تعالى - قادرا على أن يضطرنا إلى العلم بالمدركات وبالمقاصد وما شاكلهما فيجب كونه قادرا على أن يضطرّنا إلى العلم به . وليس له أن يقول : إن الإدراك يولّد العلم بالمدرك فلذلك صحّ فيه هذا الوجه وليس كذلك العلم بما ليس بمدرك ، وذلك لأن الإدراك ليس بمعنى أصلا فضلا عن كونه مولّدا وقد دللنا على ذلك من قبل ، وبينّا أنه لو كان معنى لم يصحّ أن يولّد العلم أيضا من حيث لا يكون بأن يكون هو المولّد أولى من صحّة / البصر والحياة وحضور المرئىّ ، وتقصّينا ذلك في باب التوليد . فإذا بطل ذلك ثبت أنه - تعالى - يفعل العلم بالمدرك ابتداء ، ولذلك يعلم الواحد منا المدرك بعد تقصّى الإدراك على حدّ ما يعلمه عند الإدراك في أنه لا يمكنه نفيه عن نفسه البتّة . وكذلك العلم بقبح الظلم وحسن الإحسان ووجوب الإنصاف .
فإذا صحّ ذلك فما الّذي يمنع من القول بأن كل جنس من العلوم يصحّ أن نفعله فيجب أن يصحّ من القديم - تعالى - فعل أمثاله ، وهل القول بخلاف ذلك إلا جار « 1 » مجرى التعجيز ومشبه « 2 » لقول من يقول : إنه - جلّ وعزّ - لا يوصف بالقدرة على أن يفعل فينا من أخبار الحركات ما يصحّ أن نفعله . وإنما لم يوصف - تعالى - بالقدرة على أن يفعل العلم لنفسه لاستحالة ذلك عليه من حيث ثبت كونه عالما لنفسه ، على ما قدّمناه في الصفات ، وهذه العلّة زائلة في تجويزنا أن يفعل العلم به لغيره ؛ وفي ذلك سقوط ما تعلّق به . وإنما لم يصحّ منّا فعل العلم بالمدركات وغيرها لأن فعل العلم عن النظر إنما يصحّ إذا
هامش
( 1 ) في الأصل : « جاريا » .
( 2 ) في الأصل : « مشبها » .