لا مضرّة عليه بذلك ، ولا يلحقه انتقاص حال . ويفارق ذلك ما نقوله لشيخنا أبى الهذيل - رحمه اللّه - في كون أهل الآخرة مضطرين إلى تصرّفهم ؛ لأن ذلك يوجب انتقاص الحال في باب الملاذّ ، وليس كذلك ما قلناه ألا ترى أن من حبس في الشاهد في بيت وقصرت شهواته على أشياء مخصوصة أو أزيل عنه التخيّر في ذلك يلحقه النقص العظيم ، ولا يلحق ذلك الملجأ إلى ألّا يقتل نفسه ، ولا يستعط بالخردل ؛ لأنه وإن كان ملجأ إلى ذلك فليس بخارج من أن [ يكون ] متخيّرا في منافعه ، ومتصرّفا في أحواله بحسب دواعيه وقصده .
فإن قيل : أليس لو عرف اللّه باضطرار فلا بدّ من أن يخطر بباله أحوال ما لا يعرفه ويلحق قلبه الريب ويعتريه ما يعترى الشاكّ وعليه في ذلك مضض فلا بدّ إذا من أن يكلّف ؛ قيل له : إذا شكّ في الشيء حسن منه كلّ ما يعلمه حسنا ، ويعلم أنه إن أقدم على قبيح سيمنع منه ، وقد صحّ أن الواحد منا متى أخبر عن زيد أنه في داره حسن منه الشكّ في الخبر ولا تلحقه مشقّة في ألّا ينظر في صدق الخبر أو كذبه إذا لم يكن له فيه غرض فما الّذي يمنع من أن يكون هذا الملجأ في سائر ما يخطر بباله بهذه الصفة فلا يجب / كونه مكلّفا . وقد صحّ أن الواحد منا إذا علم أنه لو رام قتل الجبابرة حيل بينه وبينه أن ذلك لا يوجب انتقاص حاله ، فكذلك القول فيما قدمناه ، سيما ، إذا أعلمهم اللّه - سبحانه - القبائح وعلموا بأنهم لو راموها لمنعوا منها . وإنما يكثر اللبس في القبائح إذا كان الحال حال تكليف من حيث يحصل فيه ضروب الاستفساد . فأمّا مع زواله فاللبس في القبائح يقلّ ، فإذا أزاله - تعالى - عنهم لم يجز عليهم ما ذكره من الريب والشكّ ، ولو جاز ذلك عليهم لصح منه - سبحانه - أن يشغلهم عنه بضرب من الشواغل حتى تنصرف دواعيهم عنه .
وهذه الجملة يتّفق عليها الشيخان رحمهما اللّه .
وسنبيّن أن من قال من أصحابنا البغداديّين : إن التكليف لا يزول عن أهل الآخرة
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 494
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٩٤