تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 493

مساهمون:

ص٤٩٣
وممّا يبيّن ذلك أن الملجأ إلى ألّا يفعل القبيح إنما لا يفعله لوجه الإلجاء لا لقبحه ، وقد ثبت أن استحقاق المدح والثواب يتعلق بالامتناع من القبيح متى كان ماله امتنع منه كونه قبيحا دون غيره . ولذلك لا يستحقّ أحد المدح لأنه لم يشرب الخمر لأنها تضره [ و ] متى لم يشربها لقبح شربه لها استحق المدح . فإن قال : هلّا قلتم : إنه يكلّف الواجب والحسن وإن لم يكلّف الامتناع ممّا قد ألجئ إلى ألّا يفعله ؛ قيل له : قد بينّا أن الواجب إنما يستحقّ المدح به إذا آثره على خلافه لوجوبه في عقله . وأما إذا أعلم أنه لو رام ألّا يفعله ويفعل تركه منع منه فقد صار ملجأ إلى ذلك ، فلذلك لم يستحقّ المدح بفعله ، وكذلك القول فيما عداه من المحسّنات ؛ فإن قيل : هلّا قلتم : إنه يستحقّ المدح بفعل النوافل ؛ لأنه غير ملجأ إلى فعلها ولا إلى ألّا يفعل تركها ؛ قيل له : قد بينّا أن النافلة إنما يحسن التعبد بها على وجه التبع للواجب ، وكشفنا القول في ذلك فلا وجه لإعادته . وبهذه الطريقة قالا « 1 » : إنه - تعالى - يزيل التكليف عن أهل الآخرة لهذا الوجه ، وإن كانوا عقلاء مختارين لأفعالهم . وسنتقصّى ذلك من بعد إن شاء اللّه . فإن قيل ، هلّا قلتم : إنه - تعالى - مضرّ بهم من حيث قرّر في عقولهم أنهم لو فعلوا القبيح لمنعوا منه ؛ لأن ذلك يقتضي ثبوت حسرة ، وهذا يوجب إما أن يكون القديم - سبحانه - معرّضا لهم للتكليف أو / للعوض الّذي لا يحسن التعريض له إلّا بالاستناد إلى التكليف . قيل له : ليس الأمر كما قدّرته ؛ لأنه متى قرّر في عقله أنه سيمنع مما إن فعله لحقه من فعله مضرّة ومما إن لم يفعله لحقه مسرّة « 2 » فذلك إلى أن يكون نعمة عليه أقرب من أن يكون ضررا ، وهو بمنزلة كون الإنسان ملجأ إلى ألّا يقتل نفسه في أنه
هامش
( 1 ) أي أبو علي وأبو هاشم . ( 2 ) في الأصل : « مصره » من غير نقط . والظاهر ما أثبت .