تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 492

مساهمون:

ص٤٩٢

فصل في أن العاقل الممكّن قد يختصّ بصفة معها يقبح تكليفه

/ اعلم أنه لا خلاف بين شيوخنا - رحمهم اللّه - أن العاقل العارف باللّه قد يحسن ألّا يكلف بأن يلجئه - تعالى - بألّا يفعل المقبّحات ، بل يعلمه أنه لو رام فعلها لمنع منه . وذلك لا يتم إلّا بعد تقدّم معرفة اللّه ليعلم أن هناك من يصح أن يعرف إرادته للأمور ويقدر على كل حال على منعه منها . ولذلك قال شيخانا - رحمهما اللّه - : لا يصحّ الإلجاء إلى المعارف ؛ لأنه لا يجوز مع فقد معرفته به أن يعلم أنه لو رام خلاف العلم من الجهل لمنع منه ، ولأنه متى علم أنه لو رام خلافه لمنع منه فقد علم العلم ، وذلك يغنى عن فعل علم بأن يمنع منه ، ولوجوه سنذكرها من بعد . فإذا اضطرّه اللّه - تعال - إلى معرفة توحيده وعدله وألجأه إلى ألّا يفعل المقبّحات في عقله فقد صار بمنزلة الممنوع في أنه لا يحسن أن يكلّف الأفعال ؛ لأنه إن كلّف أفعال القلوب من ضدّ العلم فهو ممنوع من ذلك . وإن كلّف أفعال الجوارح فهو ملجأ إلى ألا يفعل المقبّح منه . وإذا صار فعل القبيح مأيوسا من جهته لم يستحقّ المدح على الحسن ؛ كما لا يستحقّ الواحد منا المدح على تركه قتل نفسه ، وعلى هربه من السّبع . وإنما يستحقّ العاقل المدح على الفعل إذا كانت دواعيه متوافرة أو حاصلة إلى القبيح ويمكنه فعلها ، فإذا امتنع منها مع شهوته لها استحقّ المدح وكذلك القول في الواجب أنه إنما يستحق المدح به إذا كان له إلى فعل تركه داع فمتى آثره مع كونه شاقا عليه استحق المدح على خلافه . وليس كذلك حال الملجأ ؛ لأن هذه الطريقة متعذّرة فيه فلذلك لم يحسن أن يكلّف ويستحقّ المدح على ما يفعله . ويفارق حاله حال / القديم تعالى في استحقاقه المدح على ألّا يفعل القبيح - تعالى عن ذلك - لأنه لا يفعله لقبحه ، لا لإلجاء أو مضرّة تعالى عنهما .