تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 491

مساهمون:

ص٤٩١
الجهل مباحا منه بل يلزمه الشكّ والتوقّف ، فكذلك القول فيما قدّمناه . وقول القائل لغيره : لا ضرر عليك في الفعل ليس بإباحة ؛ لأنه بمنزلة الخبر . فإن كان ذلك الفعل بنفسه بهذه الصفة جرى مجرى المباح لا للقول لكن للعلم بحاله . وإن كان بخلافها / كان هذا الخبر كذبا ولم يكن إباحة . ولذلك قلنا : إنه - تعالى - لم يبح الصغائر لمجتنب الكبائر وإن لم يكن عليهم فيها ضرر . فأمّا التعلّق في هذا الأمر بأن الأمير ومن يجرى مجراه إذا قال للرعيّة : لا ضرر عليكم في كيت وكيت فقد أباح فليس الأمر على ما قال ؛ لأنه لا يعقل بهذه اللفظة الإباحة ، بل تعلّقها بالمحظور كتعلّقها بالمباح ، فليست مختصّة بهذا الباب بل هي مشتركة ، وهي مفارقة لقوله : قد أبحت لكم ؛ لأن هذه اللفظة تنبئ عن كونه مبيحا ، وإن كان قد يجوز أن يستعملها في غير موضعها ؛ كما أن لفظة الإيجاب تفيد الإلزام ، وإن كان قد يستعملها في غير موضعها . وقد اعتلّ بعضهم في أن من هذا حاله يجب أن يكلّف بأن قال : لو لم يكلف القديم من هذا حاله لكان مهملا ممرجا « 1 » ، وذلك قبيح ، فيجب إثبات التكليف ، وهذا لا يتمّ إلّا بعد أن يبيّن أن التكليف واجب ، فيقال : لو لم يكلّف مع وجوبه لكان مهملا ؛ لأن الإهمال هو ألّا يفعل في أمر غيره ممّن يلزمه القيام بأمره ما يجب عليه . يبيّن ذلك أنه يوصف بأنه مهمل لولده ولمن يلي عليه أمره إذا قصّر فيما يجب من النظر لهم ، ولا يقال : إنه مهمل لمن يلي غيره عليه لمّا لم يلزمه فيه ما ذكرناه . وهذا يوجب أن يكون مستدلّا على وجوب التكليف بالإهمال ، ولا يصح أن يعرف الإهمال إلّا وقد تقدم له العلم بوجوب التكليف . وهذا متناقض .
هامش
( 1 ) وصف من قولهم : أمرج الدابة : أرسلها في المرعى .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 491 | القاضي عبد الجبار الهمذاني