تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 484

مساهمون:

ص٤٨٤
غير أن يعرف سواها ؛ قيل له : إن العلم بالمدح والذمّ واستحقاقهما على الأفعال قد بينا أنه من كمال العقل ، وليس بموقوف على أن ذلك قد وقع بل لو خالط الناس ولم يقع من أحد معصية لما وقع الذمّ ، ولو لم يقع منهم طاعة لما وقع المدح على جهته ، ولم يؤثر ذلك في كون ما ذكرناه من كمال العقل . وكذلك القول فيه لو خلق في أرض فلاة في أنه يحسن أن يكلّف متى كمل عقله وعلم مكان الحمد والذمّ وإن لم يعلم فاعلا لهما . فإن قيل : هلّا عددتم في جملة الشروط أن يكون صحيح الحواسّ ؛ لأنه متى لم يكن كذلك لم يصحّ أن يعرف ما به يتكامل العقل ؛ ولا بدّ من أن يلحقه نقص يخرجه عن هذه الطريقة ؟ قيل له : ليس الأمر على ما قدّرته ؛ لأنه قد يعرف الفصل بين أكثر المدركات وغيرها لمسا ، وذلك كاف فيما معه يكمل العقل ؛ لأنه وإن لم يعرف الألوان لم يؤثّر ذلك في كمال عقله إذا عرف الأجسام وتمكّن من المعرفة بأحوالها . فإن قيل : هلّا قلتم : إن من شرط التكليف / أن تتقدم له جميع المعارف ليصح أن تؤدّى الأفعال على الحدّ الّذي وجب عليه ؟ قيل له : قد بينّا أن التمكين من العلم بمنزلة حصوله في أنه يجب التكليف معه إذا كان قد تقدم له كمال العقل . ونحن نبين أن الإنسان متمكّن من محلّ العلم فيما بعد .

فصل في أن من اختص بما ذكرناه من الصفات وجب تكليفه

الّذي يدلّ على ما قلناه أنه - تعالى - لو لم يكلّف من ذكرناه لأدّى ذلك إلى كونه عابثا أو مغريا بالقبيح ، فإذا استحال ذلك على اللّه - جلّ وعزّ - فلا يصحّ بعدهما إلّا وجوب التكليف [ و ] ثبت وجوبه . وإنما قلنا ذلك لأنه مع قدرته على أن يغنيه بالحسن عن القبيح قد أحوجه إليه بالشهوات التي فعلها فيه ، والتخلية ، فلو لم يكن في فعل تلك الشهوة غرض لوجب كونه عابثا بفعلها . فإذا ثبت ذلك وكان لا بدّ من