تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 486

مساهمون:

ص٤٨٦
فيه الشهوة والنفار لا للتكليف لكن ليعوّضه على ذلك بالمنافع وتكون بمنزلة الآلام في هذا الوجه ؟ قيل له : قد بينّا أن الألم إنما يحسن فعله للتعويض إذا تقدم التكليف / وصار اعتبارا فيه ، فإذا صحّ ذلك ولم يمكن ذلك فيمن ليس بمكلف أصلا فالذي ذكرته لا يصح . وبعد ، فإن القديم - جلّ وعزّ - قد أعلمه قبح ما شهّاه إليه ، وألزمه الامتناع منه ، فيجب إذا حصل فيه غرض أن يكون ذلك الغرض جاريا مجرى المدح والتعظيم دون غيره . يبيّن ذلك أنه متى لم يفعل ما وجب عليه فلا بدّ من عقاب ، فلا يجوز أن يرغّبه في فعل ما يتحرّز به من العقاب إلّا وما يستحق به يجرى مجرى الثواب . فإن قيل : هلّا قلتم : إن الفائدة في خلق الشهوة أن يعرف موقع التفضّل والنعم ، لأنه لا يحسن من الحكيم الإنعام على من لا يعرف موقعه مع تمكّنه من أن يعرّفه موقعه ؟ قيل له : إن ذلك قد يتمّ إذا أغناه بالحسن عن القبيح ولم يشهّ إليه ما يمنعه من فعله بالعقل ، فيجب أن تكون الفائدة في هذه الشهوة المخصوصة مع اقتران العقل المانع من نيل المشتهى ما قدّمناه دون غيره . فإن قيل : لو كانت هذه الشهوة تقتضى الإغراء لولا التكليف في العاقل لوجب ذلك فيها وإن ألجأه - تعالى - إلى ألا يفعل القبيح ، فإذا لم تقتض الإغراء في هذا الوجه فكذلك مع التخلية . قيل له : إن الوجه في كونها إغراء أن المشتهى إذا كان مخلّى بينه وبين المشتهى ولا مضرّة عليه في نيله دعاه ذلك إلى فعله ؛ لما له فيه من النفع الّذي لا يؤدّى إلى مضرّة ، وذلك لا يصحّ مع الإلجاء ؛ لأنه قد منع من الإقدام على المشتهى ، فصار من هذا الوجه كأنه لا داعى إليه ؛ ألا ترى أن الواحد منا قد يدعوه / إلى تناول الطعام حاجته إليه ، فإذا علم أنه مسموم زال ذلك الداعي لما فيه من المضرّة . وكذلك قد