وجوه التمكين ، وأن يجعله ممّن يشقّ عليه الفعل واجتناب ما نهى عنه ، وأن يجعله ممّن له داع إلى فعل القبيح والامتناع من الواجب . فمتى اختصّ بهذه الصفات وجب تكليفه .
فإن قيل : هلّا قلتم : إنه وإن اختصّ بهذه الصفات فإن تكليفه لا يجب ولا يحسن دون أن يكون عارفا ببعض اللغات فيصحّ أن يتنبّه عند ورود الخاطر عليه أو الداعي ؟
قيل له : إن ذلك لو وجب اعتباره في التكليف لكان داخلا فيما قدّمناه ؛ لأنه داخل في وجوه التمكين ؛ ألا ترى أنه إذا كان لا يصحّ أن يعرف وجوب النظر عليه عند ورود الخاطر إلا معه صار بمنزلة كمال العقل وغيره في أنه قد دخل فيما قدّمناه ، فكيف وذلك غير واجب عندنا ؛ لأنه لا يمتنع في المكلّف أن يتنبّه ابتداء على ما يخاف معه من ترك النظر ، فيلزمه ذلك ثم يلزمه سائر التكليف ويستغنى عن ورود الخاطر والداعي . فإن قيل : أليس قد يكون المعلوم من حال المكلّف أنه لا يتنبّه من ذي « 1 » قبل ، وأنه لا بدّ في تكليفه من ورود الخاطر عليه ؛ أفليس يجب فيمن هذا حاله أن يعرف بعض اللغات ليصح كونه مكلّفا ؟ قيل له : إنما بينّا فيما تقدم أن ذلك لا يجب أن يعدّ فيما لا يتمّ التكليف إلا به ؛ لأنه قد يتمّ دونه ؛ على ما تقدّم القول . ولسنا ننكر أن يحتاج إلى ما سألت عنه في بعض المكلفين إذا كان / في المعلوم أن تكليفه لا يتمّ إلا معه .
فإن قيل : هلّا أدخلتم في جملة الشروط التي معها يجب أن يكلّف أن يكون عارفا بالعادات ، قيل له : إن كل عادة يجرى العلم بها مجرى كمال العقل فقد دخل فيما قدمناه ، وما ليس هذا حاله فلا معتبر به ، كما لا معتبر بالعلم بالصنائع ، وإن كنا لا نستنكر مع
هامش
( 1 ) أي ابتداء ، يقال : لا أكلمه من ذي قبل أي فيما أستأنف من أمرى .