الباب . فأمّا التوكّل فهو طلب الشيء من جهته تعالى بالوجه الّذي أباح الطلب به ، وألا يجزع إذا لم يعط ، ولا يعدل في طلب المنافع عن جهة الحلال إلى الحرام . فمتى فعل ذلك كان متوكّلا عليه تعالى : ولذلك قال عليه السلام ( لو « 1 » توكلتم على اللّه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير / تغدو خماصا وتروح بطانا ) فجعلها متوكّلة وإن غدت وراحت طالبة لما تقوته . فكذلك القول في طالب الرزق منا : أنه متى طلبه على الوجه الّذي ذكرناه كان متوكّلا . وإنما أراد عليه السلام بهذا الكلام أن يقنع المرء بما يجده من الحلال ، ويوطّن نفسه عليه ، وأنه متى فعل ذلك رزقه اللّه تعالى على الوجه الّذي يطلبه بحسب المصلحة .
ولم يرد عليه السلام أن يكفّ عن الطلب أصلا ، ولذلك مثّل بالطير التي تغدو أو تروح ولا فرق بين من أوجب التوكّل ، وجعله الكفّ عن طلب الرزق ، وانتظر حصوله من جهته تعالى بلا طلب ، وبين من قال بمثله في طلب الأولاد وفي طلب العلوم والآداب لأن المنافع الحاضرة إذا لم يحسن عندهم التماسها فبألا يحسن التماس الغائب المتأخر من المنافع بالطاعات وغيرها أولى . وفي هذا إسقاط العبادة والتكليف .
وقد ارتكب ذلك بعض الصوفية ، وأزالوا عن أنفسهم التكاليف الشاقّة لمثل هذه العلّة . ولا وجه للتشاغل بمكالمتهم في هذا الباب .
وأمّا من قال بتحريم المكاسب من حيث اختلط الحرام بالحلال فقوله يفسد ؛ لأن ما وجد في يد العاقل من الأموال إذا لم يعلم أنه حرام حلّ طلبه من جهته بمعاوضة وغيرها ، ولا يجب أن يلتمس ما يقطع « 2 » بأنه لم يملك إلا على وجه صحيح ؛ لأن ذلك ممّا لا سبيل إلى معرفته . ولذلك لم يلزم الوارث النظر في الوجه الّذي عليه وصل المال إلى أبيه ، ولا الفحص عنه . فإذا ثبت ذلك حلّ للمرء طلب الأموال بالتعرض لها إذا لم / يعلمها
هامش
( 1 ) ورد هذا الحديث في الجامع الصغير بلفظ ( لو أنكم توكلون على اللّه . . ) عن مسند بن حنبل ، وعن الحاكم . وفي الشرح أن إسناده صحيح .
( 2 ) في الأصل : « إلا ما يقطع . . »