تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
ولا آجلا حسن ، وإن كان إنما يلتمسه بالأمر الشاقّ إذا كان النفع الملتمس يوفى عليه . ولذلك يحسن من الإنسان أن يتنفّس في الهواء ، ويشرب الماء البارد ، إلى غير ذلك . فإذا صحّ ما قلناه ، وغلب في ظنه إذا تعرض لبعض الأفعال للرزق وصل إلى منافع توفى على ما لحقه من المشقة ، فيجب كون ذلك حسنا منه . والكتاب يشهد بصحة ما ذكرناه ؛ لأنه قال تعالى
( فَإِذا
« 1 »
قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ) .
وقال
( وَآخَرُونَ
« 2 »
يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ )
، وقال
( لا تَأْكُلُوا
« 3 »
أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ )
وأمر بالنكاح وندب إليه / وأباح طلبه ، وهو في أنه منفعة بمنزلة سائر المنافع . وقال سبحانه
( وَإِذا
« 4 »
حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا )
بعد أن أباح الاصطياد ثم حظره بالإحرام . وكل ذلك يبين بطلان قول من يحرم المكاسب . وهم على فرق : فمنهم من يقول : إن الواجب الكفّ عن طلب الرزق على كل حال ؛ لأن فيه ترك التوكل والشكّ فيما وعد . ومنهم من يقول بتحريمه ، لاختلاط الحرام بالحلال وتعذر تمييزه . ومنهم من يقول بتحريمها ؛ لما فيها من معاونة الظلمة وتشييد أحوالهم ، بما يأخذونه من التجارات من العشور وغيرها . فأمّا من حرّم المكاسب على كل حال فما تقدم يقتضي بطلان قوله ، ويلزمهم ألا يتناولوا المأكول من فرن وألا يتعاطوا تناوله باليد ، لأن فيه ترك التوكل ، وإلا فقد ناقضوا ؛ لأنهم إذا طلبوا الطعام من أخ وصديق وأمروا بتقديمه إليهم ، وتعاطوا إصلاحه وأكله ، ولم يوجب ذلك عندهم ترك التوكّل ، فكذلك القول في التعرض لطلبه بالتجارة وغيرها ؛ لأنه لا معتبر باختلاف وجوه طلبه في هذا
هامش
( 1 ) الآية 10 سورة الجمعة . ( 2 ) الآية 20 سورة المزمل . ( 3 ) الآية 29 سورة النساء . ( 4 ) الآية 2 سورة المائدة .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 44 | القاضي عبد الجبار الهمذاني