تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 465

مساهمون:

ص٤٦٥
لهذا المعنى يحسن في الشاهد ؛ لأن ولىّ اليتيم لو علم أن استيفاء حقّ اليتيم معجّلا يؤدى إلى هلاكه ، كان له أن يؤخّره ، فكذلك القول فيما ذكرناه . وإنما يتم ما سأل عنه لو قلنا بسقوطه أصلا . وليس له أن يقول : لو جاز أن يؤخّره - تعالى - هذه الأوقات مع كونه حقّا له فهلّا جاز ألّا يعيده ويوجده حالا بعد حال . وذلك أن الأوقات التي أخّر الثواب فيها لا بدّ من أن يكون في تأخيره مصلحة ، فلا يجوز أن يقاس عليها الأوقات التي لا مصلحة في تأخيره ؛ لأن ذلك ظلم ، والقديم يتعالى عنه . وما ذكرناه من حقّ اليتيم يكشف ذلك ؛ لأنه قد جاز تأخيره في بعض الأوقات ولم يوجب ذلك تأخيره في سائر الأوقات . ونحن نبيّن الكلام في أن ما لا يفعله - تعالى - من الثواب في هذه الأوقات فلا بد من أن يوفره ، في باب الوعيد إن شاء اللّه . فأمّا من يستحقّ العوض فإعادته غير واجبة ، إلّا على بعض الوجوه ؛ لأنه قد ثبت أن العوض منقطع غير دائم ، ففارق الثواب من هذا الوجه ، وصحّ فيه أن يفعل في أوقات منقطعة . وإذا صحّ ذلك لم يمتنع فيما يستحقّه الإنسان في حال حياته أن يوفّر عليه في هذه الأوقات من جهة العقل ، ثم يميته تعالى من غير أن يستحقّ العوض ؛ لأن العوض لا يستحقّ بالموت إذا حصل من غير ألم وغم ، والقديم - تعالى - قادر على ذلك ؛ فإذا فعله من غير ألم لم يستحقّ ذلك الحىّ عليه عوضا . فإن قال : إذا كانت الحياة من أعظم النعم فسلبها يقتضي العوض / ، وإن لم يقارنه ألم وغم ؛ لأنه يقطع عن جميع المنافع ؛ كما أن وجودها يصحح جميع المنافع ؛ أوليس الواحد منا متى سلب ماله فلا بد من أن يستحقّ عوضا ، فهلّا وجب مثله في سلب الحياة ؟ قيل له : إنه - تعالى - إذا أنعم على الإنسان بالحياة فإنما ينعم بذلك عليه إلى مدّة ، وغير ممتنع تمليك الغير ما ينتفع به إلى مدّة ، وقد ثبت ذلك عقلا وشرعا في العوارى وغيرها . فإذا صح ذلك ثم سلبه الحياة لم يجب بذلك العوض ، كما أن المسترد للعوارى لا يلزمه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 465 | القاضي عبد الجبار الهمذاني