قيل له : لا يمتنع فيما يقع منه تعالى أن نطلبه ، إذا كان قد أجرى العادة في كل ما نتناوله « 1 » منه أو في أكثره أنه يفعله عند طلبنا وتعرضنا وإقدامنا على بعض الأفعال .
وهذا كما يحسن منا ويصحّ طلب الولد بالوطء ، والزرع بالبذر ، والعافية بالعلاج إلى غير ذلك ممّا يطول ذكره . وفي ذلك سقوط ما سأل عنه إذا كان قد بنى التكليف على ذلك ؛ لأنا نطلب بالطاعة الثواب الّذي هو من فعله تعالى ، فما الّذي يمنع مما قلناه . لكن الثواب مستحق بالفعل ، وما يحصل من الأرزاق عند الطلب لا يكون مستحقا به ، وإنما يكون تفضّلا ، أو مصلحة ، ولطفا .
فصل في أنه يحسن من العبد طلب الرزق والتكسّب ، وبطلان قول من يحرّم المكاسب
/ اعلم أنه قد ثبت بالعقل أن التحرّز من المضارّ بالوجه الّذي يعلم أو يظنّ أنه محرز « 2 » به منها واجب . وعلى هذا الوجه يبنى أصل التكليف ثم فروعه . فإذا ثبت ذلك فيجب إذا علم الإنسان أو ظن أنه « 3 » إن لم يطلب الرزق ولم يتعرض له ببعض الوجوه أنه يلحقه أو يلحق من يعمه نزول المضرة به الضرر أن يلزمه طلب ذلك بما يغلب في ظنّه أنه يصل به إلى المراد . وربما يتجاوز الحدّ في ذلك فيصير الإنسان ملجأ إلى طلب الرزق ، كما يكون مضطرا في بعض الأحوال إلى أكل الميتة ومدفوعا إليه . فإذا ثبت ذلك لم يمكن القول بأن ذلك محرّم ، مع علمنا بكونه واجبا أو داخلا في باب الإلجاء .
وقد ثبت أيضا من جهة العقل أن التماس المنافع التي لا ضرر على المرء فيها عاجلا
هامش
( 1 ) في الأصل : « تناوله » .
( 2 ) أي يحرز المرء بها نفسه ، ويحفظها والأسوغ : محترز .
( 3 ) في الأصل : « وإن » .