فإن قيل : أليس العبد قد يهب لغيره ، ويعطيه ، ويفضل عليه ، فهلّا قلتم في هذه العطايا والهبات ، إنها رزق من جهة من وهب وأعطى ؟ قيل له : إن ذلك لا يقدح في كلامنا بأىّ جواب أجبنا عنه ؛ لأن ذلك لا يوجب كونه من فعل الواهب والمعطى ، ولا يخرجه من أن يكون من فعله تعالى وخلقه .
فإن قيل : إنه إذا كان من جهة تلك فقد حل فعله الّذي وصل به إلى تملّك ذلك واستباحة الانتفاع به محلّ أن يكون هو الّذي فعله وخلقه ، فيجب أن يكون رزقا من العبد .
قيل له : إنا لا نمتنع من القول بأن العبد يرزق غيره إذا أعطاه وخوّله ، ولذلك يقال في الملك : إنه رزق جنده إذا أعطاهم النفقات ؛ لكن ذلك لا يخرج من أن يكون من جهته سبحانه ؛ من حيث كان هو الخالق له أوّلا ، ثم المملّك لمن أعطاه ثانيا ، ثم الجاعل له بالصفة التي يملك التصرف فيه ثالثا ، ثم الجاعل له بحيث يصح أن يملّك غيره رابعا ، ثم الجاعل للقابض بالصفة التي يملك بالقبض وينتفع به / من حيث شهّاه إليه خامسا إلى غير ذلك من الوجوه التي تكثر ، فيجب أن يكون مضافا للّه تعالى . ولذلك قلنا : إن كل نعمة واصلة إلى العبد من جهة غيره فهي من اللّه تعالى لما ذكرناه من الوجوه .
وممّا يبيّن صحّة إضافة ذلك إلى اللّه تعالى أن أكثر جهات الملك هو الّذي جعله جهة له ، وإلّا لم يكن بأن يملك به أولى من ألّا يملك به ، فيجب أن يكون المعطى في حكم الجهة للتملّك ، وذلك لا يخرجه من أن يكون رزقا منه تعالى .
فإن قيل : إذا كانت الأرزاق منه تعالى على ما ذكرتم ، فكيف يصحّ أن تدعو الدواعي إلى طلبه « 1 » .
هامش
( 1 ) أي طلب الرزق ، ولذلك أفرد .