فإن قيل : أليس في الاستثناء ما لا يصح أن يفنى وهو ما قد تقضى / من مقدورات العباد ، وما لا يبقى « 1 » من مقدوراته - تعالى - وما لم يوجده اللّه - تعالى - أصلا من مقدوراته ، فكيف يصحّ قولك : إن حمله على الفناء أعطى العموم حقّه ؟ قيل له :
إذا كان أحد التأويلين يقتضي من التخصيص أقلّ مما يقتضيه التأويل الآخر صار أولى ، فصار بأن يكون قد وفّى حق العموم فيه أولى ؛ لأن العموم قد يوفّى حقّه بألّا يخصّ منه شيء ، وقد يوفّى حقّه بأن يبقى من جملته ما يمكن أن يبقى فيه . وقد اعتمد شيوخنا في ذلك أيضا على الإجماع وأنه لا خلاف أنه - تعالى - يفنى العالم ثم يعيده . وقد حكى عن بعض العلماء ، في هذا الباب الخلاف ، وهذا لو صحّ لم يعترض ما ذكرناه ؛ لأن الحال في ذلك في الصحابة والتابعين ومن بعدهم أظهر من أن يصح أن يدّعى فيه الخلاف ؛ لأن الإجماع على ذلك من الأمور العامّة الفاشية الظاهرة . وإنما يمكن أن يتأول إجماعهم على أن المراد به الموت دون الفناء ، وهذا لا يسوغ في الإجماع ؛ كما لا يسوغ في إطلاق الكتاب .
فصل في أنّ فناء الجواهر لا يصحّ إلّا بضد
قد ثبت أن الباقي لا ينتفى مع جواز الوجود عليه إلّا بضدّ ، أو ببطلان ما يحتاج إليه في الوجود أو البقاء ؛ لأنه متى لم يحدث ما ذكرناه لم يكن بأن ينتفى أولى منه بأن يبقى ، ويستمرّ له الوجود . فإذا صحّ ذلك ، وثبت في الجواهر أنه يجوز البقاء عليها ، وأنه لا حال يشار إليها إلّا ويجوز أن تبقى إليه ، وثبت أنه لا يحتاج في وجودها إلى غيرها ؛ لأن / الشيء إنما يحتاج في وجوده إلى غيره إذا كان حالّا فيه ، فأمّا على خلاف هذا الوجه فإنه لا يحتاج الشيء إلى غيره ، وإن صحّ حاجة الشيء إلى غيره متى تعلّق
هامش
( 1 ) كذا في الأصل . وكان الصواب : « يفنى » .