فحملناه على أن المراد به العلم بالأمور الباطنة . وكذلك حملنا قوله : ( هو الظاهر ) على أن المراد به : هو القاهر المستعلى ، وذلك حقيقة في الظهور والغلبة . ولا يجب في الألفاظ متى افتضى الدليل حمل بعضها على المجاز حمل باقيها عليه ، من غير ضرورة تقود إليه .
ومنها قوله - تعالى - :
( كُلُّ مَنْ
« 1 »
عَلَيْها فانٍ )
حقيقة الفناء هو العدم ، فإذا جعل ذلك وصفا لمن عليها اقتضى الظاهر بأنّ « 2 » / من عليها يفنى ويعدم . فإن قال : ما أنكرتم أن المراد به الموت دون الفناء ؛ لأن أهل اللغة قد يقولون فيمن مات : إنه فنى وهلك ، بل لا يعقلون للفناء في الحقيقة سواه ؟ قيل له : إنهم قد عقلوا فناء الأعراض وإن لم يعقلوا فناء الجواهر . ومتى صحّ تصوّرهم لذلك وجب حمل كلامهم عليه دون المجاز ، فلا يجوز حمل الكلام على الموت ؛ لأن ذلك فناء الحياة لا فناؤهم ، والكتاب قد نطق بأنهم يفنون ، لا حياتهم تفنى .
فإن قيل : هلّا قلتم : إن حمله على هذا الوجه أولى ؛ لأنه خصّ - سبحانه - من عليها دون سائر الأجسام « 3 » فيجب حمله على الموت الّذي يصحّ فيمن عليها ويختصّ ؛ دون الفناء الّذي يعمّ الأجسام ، وإلّا أدّى إلى ألّا يكون لهذا التخصيص فائدة ؟ قيل له :
هذا يوجب ألّا يكون لتخصيص من عليها بالموت فائدة ؛ لأن البهائم قد تموت ولا تدخل في هذا الكلام ؛ لأن لفظة من لا تتناول إلا العقلاء ، ومتى قلت : إنها متناولة للبهائم وتركت الظاهر صحّ لنا أن نقول : إنها متناولة لجميع الأجسام .
فإن قلت : إنه - سبحانه - وإن أراد الموت الّذي يصحّ فيهم وفي غيرهم فلا يمتنع أن يذكرهم لبعض الفوائد ؛ قيل لك مثله فيما نذهب نحن إليه ، وإنما يجب أن يتكلّف
هامش
( 1 ) الآية 26 سورة الرحمن .
( 2 ) كذا في الأصل . والأولى : « أنه » .
( 3 ) في الأصل : « الأحكام » .