تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 438

مساهمون:

ص٤٣٨
المراد بذلك أن يتأخّر وجوده فلا يوجد غيره معه أبدا ، كما تقدّم وجوده ، فلم يصحّ وجود غيره معه أبدا . وقد ثبت بالدلالة أن الثواب دائم ، وأنه لا ينقطع ، وأن المثاب لا بدّ من أن يبقى أبدا ، فلا يصح حمل الآية على هذا الوجه ، فلم يبق إلا أن المراد به أنه يوجد بعد وجود سائر الموجودات ، كما وجد قبل وجودها . وذلك لا يصحّ إلا بأن يفنى الجواهر ، على ما قلناه . وبطل بذلك قول جهم إذ « 1 » تأول ذلك على أن الثواب ينقطع ، وأن المثاب « 2 » [ يفنى ] لأنا قد بينّا أن العقل يمنع من ذلك . ومتى احتملت الآية وجهين وبطل أحدهما / بدليل العقل ثبت الوجه الآخر . فإن قيل : أليس التقدّم والتأخّر قد يستعمل في غير صفة الوجود ، فهلّا قلتم : إن المراد بالآية أنه الأوّل والآخر في غير صفة الوجود ؟ قيل له إن قولنا : أول وآخر إذا أطلق لا يعقل منه إلا أنه موجود قبل وجود غيره أو بعد وجود غيره . وإنما يعقل منه غير ذلك إذا قيّد ؛ كما أن قولنا : فوق وتحت إنما يفيد الأماكن ، ومتى قيّد صحّ أن يستفاد به غيره ؛ كقوله - تعالى - : « 3 » وفوق كل ذي علم عليم . وبعد ، فإنه لا خلاف بين أهل التفسير أن المراد بذلك هو الوجود دون غيره ، فلا وجه لما سأل عنه . فإن قيل : هلّا حملتم قوله : هو الأول والآخر على المجاز ؛ كما حملتم قوله ( هو الظاهر والباطن ) على المجاز ؟ قيل له : إنما صحّ « 4 » حمل كلامه - سبحانه - على المجاز متى لم يكن له في الحقيقة مساغ . فأمّا إذا صحّ حمله على الحقيقة فحمله على المجاز بلا دليل لا يصحّ . وإنما قلنا : إن قوله : ( هو الباطن ) مجاز ؛ لأن حقيقته لا تصحّ إلّا في الأجسام ،
هامش
( 1 ) في الأصل : « إذا » . ( 2 ) سقطت هذه العبارة في الأصل . ( 3 ) الآية 76 سورة يوسف . ( 4 ) كذا في الأصل . والأولى : « يصح » .