فائدة للكلام متى كان الاستدلال به لا يتمّ إلّا ببيان فائدته . فأمّا إذا تمّ دونه لم يجب تكلّف ذلك ، وإن كان لا يمتنع أن يكون - تعالى - إنما خصّ العقلاء ليعرّفهم أن التكليف سينقطع عنهم بالفناء الّذي هو باب تبعيد حال الثواب من حال التكليف أدلّ من انقطاع التكليف بعده ليكونوا أقرب إلى أن يفعلوا الطاعة لحسنها في العقل لا للمنافع / ولا على وجه الإلجاء . وهذه الطريقة تختصّ بالمكلّف دون غيره .
وقد سقط بما قدّمناه قول من يقول : إذا حملتموه على الفناء لم يكن له تعلّق بالجملة العاقلة ؛ لأن الفناء يختص كل جزء . ومتى حملناه على الموت اختص بذلك . ويسقط أيضا قول من يقول : إذا حملناه على الموت أدّى إلى توفية العموم حقّه . ومتى حملتموه على الفناء اقتضى خلافه ؛ لأنه يقول : بأن كل عاقل يفنى وإن حكمنا بفناء غيرهم معهم .
ومما يحقّق ما قلناه قوله - سبحانه - عاطفا على ذلك :
( وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ )
فإذا كان المراد بذلك أنه - تعالى - يبقى موجودا - لأن إطلاق لفظة البقاء تفيد ذلك - فيجب أن يكون المراد بما تقدّم الفناء المضادّ للبقاء دون غيره .
ومنها قوله - تعالى - :
( كُلُّ شَيْءٍ
« 1 »
هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ )
، فلا يخلو من أن يراد بالهلاك الفناء على ما نقول ، أو المراد به الموت والتغيير بالذبول وغيره . وقد علمنا أن حمله على خلاف الفناء يقتضي التخصيص ؛ لأن الموت والذبول لا يصحّان إلّا لبعض « 2 » الأشياء دون بعض ، ومتى حملناه على الفناء أدّى إلى إعطاء العموم حقّه ، فيجب حمله عليه ، هذا مع تسليم أن الهلاك يحمل هذه الأمور . فأمّا إذا ثبت [ أن ] ظاهره يفيد الفناء صحّ التعلّق به من غير ذكر ما أوردناه من التقسيم .
وممّا يدلّ على أن المراد به الفناء قوله - تعالى - :
( إِلَّا وَجْهَهُ )
على جهة الاستثناء .
وقد علمنا أن المراد فيه سبحانه أنه لا يفنى ، فيجب أن يكون المراد به تقدّم إثبات الفناء
هامش
( 1 ) الآية 88 سورة القصص .
( 2 ) في الأصل : « بعض » .