إلى إبطال القول بالمائية « 1 » ؟ قيل له : إن كل معنى لو كان ثابتا لتغيّرت به أحوال المحلّ أو الجملة فيجب نفيه إذا لم يثبت التغيّر « 2 » ؛ لأنا لو لم نقل بنفيه لأدّى إلى الجهالات ، وليس كذلك ضدّ الجوهر ؛ لأنه لو كان لم يقتض تغير الوصف على الموصوف ، وإذا لم يقتض ذلك لم يجب نفيه لفقد الدليل العقلىّ عليه . وإنما أبطلنا القول بالمائيّة لأنها لو كانت لوجب أن يقتضيها العقل ؛ كما يجب فيما طريق معرفته الإدراك أن يقتضيه الإدراك ، وضدّ الجوهر لا يصحّ أن يقتضي في الجوهر حالا فتصحّ هذه الطريقة فيه ، ولا هو ممّا يجوز أن يوجد مع وجودها فيصحّ اختبار حاله ، فلذلك صحّ التوقف على السمع في إثباته .
فإن قال : أو لستم تقولون إن السمع إنما يتوصل به / إلى معرفة أحكام الأشياء دون إثبات ذواتها ؟ ومتى قلتم : إنه يوصّل به إلى إثبات الفناء نقضتم هذه الجملة ؛ قيل له : إنا في الحقيقة لا نصل بالسمع إلّا إلى معرفة حكم الجواهر ، وهو أن عدمها وفناءها يصحّ ثم نعتبر من جهة دليل العقل - فإذا علمنا أنها لا تصحّ أن تفنى إلّا لمعنى قضينا به ، فلم نرجع في التحقيق في إثبات الضدّ إلا إلى طريقة العقل ، ورجعنا في إثبات الحكم للجواهر إلى طريقة السمع ، وذلك يزيل ما يوهمه من النقض .
فصل يتّصل بذلك
فأمّا الّذي يدلّ من السمع على أنه - تعالى - يفنى الجوهر فوجوه . منها قوله - سبحانه - :
( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ
« 3 »
)
، فلا يخلو من أن يريد بقوله : هو الآخر أنه الموجود بعد وجود كل شيء وإن جاز في الموجودات أن توجد في ذلك ، أو أن يكون
هامش
( 1 ) يريد الماهية وهي حقيقة الشيء وحده .
( 2 ) في الأصل : « المغير » .
( 3 ) في الآية 3 سورة الحديد .