تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١

فصل في أن العبد لا يقدر على تحصيل الرزق لنفسه ، وأن الرزق من اللّه تعالى

اعلم أن الرزق إذا كان عبارة عما يصحّ الانتفاع به ، وقد علمنا أن جميع ذلك من خلقه سبحانه ، فيجب ألا يصحّ أن يكون مقدورا للعبد لا على جهة المباشرة ولا على التولّد « 1 » ؛ لأنه لا يصحّ منه أن يولّد الأجسام ، والألوان ، والطعوم والأراييح « 2 » وسائر ما ينتفع به . وقد دللنا على ذلك من قبل بما لا طائل في إعادته ، فيجب أن يكون من اللّه تعالى ؛ لأنه الخالق له لينتفع به العباد ، على الوجه الّذي أباح انتفاعهم به . فإن قيل : أليس في جملة ما يصحّ أن ينتفع به الأصوات ، وقد تكون من فعل العبد ، فلم منعتم أن يكون في الرزق ما يفعله العبد . قيل له : إن الظاهر من الرزق أنه يفيد ما تثبت عليه الأيدي ، ويصحّ التصرف فيه ، والانتفاع به . وكل ذلك لا يكون إلّا من خلقه تعالى . والأصوات فلا يصح هذا الوجه فيها ، فلذلك لم نعدّه في هذا الباب ، وإنما يقال : قد رزق فلان صوتا حسنا ، ويراد بذلك أنه تعالى قد أعطاه آلة تصلح لذلك ، فتكون الآلة هي المضافة إلى اللّه تعالى دون الصوت الّذي هو من / فعله ، وإن كان لا يمتنع إضافة ذلك إليه تعالى ، من حيث مكّن منه ، وأعان عليه ؛ كما يقال في الإيمان : إنه من اللّه على هذا الحدّ . ما قدمناه : أن الصوت إذا كان لا يصحّ البقاء عليه لم يقل فيه : إنه يصح أن ينتفع به ؛ لأن هذه اللفظة تقتضى أن المنتفع به ممّا يصحّ وجوده على وجه ينتفع به وإن لم ينتفع به ، كما يقتضي قولنا : إن الفعل يصحّ منه أنه يتهيأ للقادر إيجاده ، وألا يوجده ، والحال واحدة .
هامش
( 1 ) ( 2 ) جمع أرياح جمع ريح . والفصيح في جمع ريح أرواح ، وفي جمع أرواح ، أراويح ، والمراد ، له رائحة .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 41 | القاضي عبد الجبار الهمذاني