لا نأباه ، وإنما أنكرنا ذلك من جهة العقل . فإن قيل : هلّا قلتم : إن العقل يقتضي أن الفناء لا يصح على الجواهر للوجوه التي قدمتموها ؟ قيل له : إنما يقتضي ذلك عدم الدلالة على صحّة فنائها . فأما أن يدلّ على أنها لا يصحّ أن تفنى فمحال ؛ لأنا نجوز أن يكون لها ضد مقدور كما نجوز خلافه . فإن قيل : هلّا قلتم بأنه لا يجوز أن يكون لها ضد ، لأن من حق الضدين أن يتعاقبا على غيرهما فيصح أن يتنافيا ، وذلك لا يصح في ضد الجواهر لو كان فيجب القطع على أنه لا ضد له ؛ قيل له : إن تضاد الأشياء مختلف « 1 » الأحكام .
فمنه ما يتضادّ على المحلّ ، ومنه ما يتضاد على الواحد منا بأن يوجد في بعضه . ومنه ما يتضادّ على الحىّ لا في محلّ كإرادة القديم - تعالى - وكراهته . فإذا اختلفت أحكامه لم يمتنع أن يكون للجوهر ضد وإن خالف حالها حال سائر المتضادات . فإن قال : إنها وإن اختلفت أحكامها فهي متّفقة في أنها لا تتضادّ إلا على غيرها من محلّ أو حىّ ، وأنه لولا ذلك الغير لم يصحّ تنافيها فيجب ألا يصح في الجوهر أن يكون له ضدّ إذا كان هذا الحكم لا يصح فيه ؛ قيل له : إنه لا يمتنع أن يضاد الشيء غيره بأن يوجدا / جميعا لا في محلّ فمتى حصل لأحدهما مجرد الوجود « 2 » من غير تعلّق بالغير تنافى ما حاله كحاله في الوجود ، فإذا لم يتعدّ ذلك وجب التوقّف فيه على الدلالة .
فإن قيل : هلّا قلتم : إن العقل يدلّ على أن لا ضدّ للجوهر ؛ لأنه لو كان له ضدّ لوجب أن يكون لنا طريق إلى إثباته كسائر الأجناس ، فلمّا لم يثبت ذلك وجب القضاء بأن لا ضدّ له أصلا . أو لستم توصّلتم بمثل هذه الطريقة إلى أنه - تعالى - لا يجوز أن يكون عالما بعلم ؛ لأنه لو كان « 3 » يجب أن يكون في العقل طريق إلى إثباته ، أو لستم تتوصلون بمثله إلى إبطال أصول من ادّعى في الجسم معاني غيره ، أو لستم تتوصلون بمثله
هامش
( 1 ) في الأصل : « مختلفة » .
( 2 ) في الأصل : « الموجود » .
( 3 ) أي لو كان عالما بعلم ، أو كان هنا تامة ، فقوله : « يجب » جواب لو .