تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 435

مساهمون:

ص٤٣٥
أن له ضدّا أصلا ، فلا يصحّ ما ذكرته . وإنما أوردنا ما قدّمناه ليبين فساد الطريق التي ظننتها مسلّمة ؛ لأن المسلّم من ذلك أن القادر على الشيء قادر [ على ] ما يضادّه بنفسه لا بواسطة . فإن قال : إن القادر على الشيء يجب أن يكون قادرا على ما ينتفى به ، وإلّا اقتضى ذلك كونه في حكم الملجأ إلى ذلك الفعل والمضطرّ إليه ؛ لأنه بعد الإيجاد لا يمكنه الانفكاك منه ؛ قيل له : إن الّذي ذكرته لو صحّ لكان إنما يصحّ في الأفعال المباشرة التي تحلّ في بعض القادر منّا ، فكان من حيث لا يمكنه بعد إيجاده أن ينفيه يصير بمنزلة المضطرّ إليه . وأمّا من لا تحله أفعاله فهذه الطريقة غير صحيحة فيه . ولذلك لا تصحّ في المتولّد ؛ لأن الواحد منّا قد يمكنه إيجاد المتولّد ، ثم يتعذّر عليه نفيه ، وقد يقدر وهو على صفة أن يفعل المتولّد ولا يصحّ أن يفعل ضدّه . وإذا صحّ ذلك في المتولّد فبأن يصحّ ذلك فيما يخترعه أولى . فإن قيل : إنه - تعالى - إذا أوجد الجواهر فلو لم يوصف بالقدرة على ضدّها لم يصحّ أن يخلو منها ، ولو جاز ألّا يصحّ منه الخلو من فعل آخرا ليجوزنّ ذلك أزلا ، قيل له : إنما لم يجز ألّا « 1 » يخلو من الفعل فيما لم يزل ؛ لأن كون الفعل موجودا لم يزل يتناقض ، وإثبات قديم معه يستحيل ، وليس كذلك إذا / لم يخل من فعله فيما بعد . فإن قيل : إذا وجب كونه - تعالى - أو لا لكل موجود وسابقا له فيجب كونه - تعالى - آخرا للموجودات ومتأخّرا عنها ؛ قيل له : الّذي له وجب كونه أولا لها ما قدّمناه من العلّة ، وليست بموجودة في وجوب تأخّره عنها . فإن قال : أليس قد وصف « 2 » - تعالى - نفسه بأنه الأول والآخر ؟ قيل له : هذا رجوع منك إلى السمع ، وذلك مما
هامش
( 1 ) في الأصل : « أن » . ( 2 ) أي في قوله تعالى :« هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ »في الآية 3 من سورة الحديد .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 435 | القاضي عبد الجبار الهمذاني