تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤
فإن قال : هلّا قلتم : إن في العقل دلالة على ذلك ، وهو أن كل مقدور يصح البقاء / عليه فلا بدّ من أن يكون له ضدّ . يدلّ على ذلك أنا اعتبرنا ما هذا حاله ، فوجدناه على اختلافه واختلاف وجوه اختلافه قد يشترك في أن له ضدّا . قيل له : إن الوجود لا يدلّ على الأحكام . وقد بينّا ذلك فيما سلف ، فيجب أن يظهر ما له وجب في هذه المقدورات الباقية أن لها أضدادا ، ويبيّن أن ذلك إنما وجب فيها لكونها مقدورة باقية ليتمّ ما ذكرته . فإن قال : إذا رأيت فيما لا يبقى ما لا ضدّ له ، ورأيت ما يبقى له ضدّ علمت بأن العلة فيه صحّة بقائه ؛ قيل له : ليس الأمر كما ظننته ؛ لأن فيما لا يبقى ما له ضدّ ، وفيه ما لا ضدّ له . وإنما كان لما أوردته شبهته لو اشترك الكل في أنه لا ضدّ له . وبعد ، فإن فيما يبقى ما لا ضدّ له أيضا ، وهو الاعتماد والتأليف والحياة ؛ على ما حصّله شيخنا أبو هاشم - رحمه اللّه - آخرا ، فما ادّعيت استمرار الوجود فيه فباطل . فإن قال : إنه وإن كان لا ضدّ له فلما يحتاج إليه ضدّ ، ويجرى ذلك في أنه يقتضي كون القادر عليه قادرا على ما ينافيه مجرى نفس الضدّ ؛ قيل له : إذا صحّ أن في المقدورات الباقية ما لا ضدّ له أصلا فما الّذي يمنع من أن يكون فيها ما لا ضدّ لما يحتاج إليه بألّا يحتاج في وجوده إلى غيره . وقد ثبت في الجوهر أنه لا يحتاج في وجوده إلى غيره كحاجة التأليف . وبعد ، فإن ما ذكره السائل إنما يصحّ في ضدّ الشيء بالحقيقة ، فأمّا ضدّ ما يحتاج إليه فلا يجب أن يكون القادر على الشيء قادرا عليه ؛ ألا ترى أن الواحد منا يقدر على القتل ولا يقدر على الحياة لمّا كان ضدّا لما يحتاج إليه . ومتى / قدر على الإرادة قدر على الكراهة ؛ لأنها ضدّ في الحقيقة . فإن قال : إن الجواهر مقدورة له - عزّ وجلّ - ولا يجوز أن يكون في أجناس المقدورات ما لا يقدر - تعالى - عليه فيجب إذا كان له ضدّ أن يكون - تعالى - قادرا عليه على أىّ وجه ضادّه ؛ قيل له : قد بينّا أنه لا دليل يقتضي