كما أن الذات لو حصلت سوادا في بعض الأوقات لاقتضى ذلك مخالفتها لغيرها ما يقتضيه إذا كان سوادا في كل حال . وذلك لأن الصفات النفسيّة تنقسم . ففيها ما تقع الإبانة بها نفسها ، فكل ما استحقّها فلا بد من أن يخالف غيره ، وإن كان لا بدّ من أن يستمرّ استحقاقه لها . فأمّا إذا / اقتضت الإبانة وجه استحقاق الموصوف لها لا بها نفسها وجب اعتبار جهة الاستحقاق دونها . وقد علمنا أن القديم - سبحانه - لا يخالف غيره بالوجود لأن غيره قد شاركه فيه ، وإنما خالف غيره باستحقاقه ذلك على وجه يرجع إلى ذاته . وقد بينّا أن الوجود إنما يرجع إلى ذاته متى لم يحصل بالفاعل ، وذلك لا يتمّ إلّا في القديم ؛ لأن الجواهر لو وجب الوجود لها لم يخرجها ذلك من الحاجة في الوجود إلى موجد ، وكلّ صفة حصل الموصوف عليها بالفاعل أو لعلّة لم تقع بها « 1 » الإبانة على وجه .
وبعد ، فإن الجواهر لو لم يصحّ أن تفنى لم يجب أن تكون كالقديم - تعالى - في وجوب الوجود لها ؛ لأنها قد كان يصحّ ألّا توجد في هذه الأوقات فتكون معدومة ؛ لأنها إنما وجدت باختيار الفاعل ، وذلك يستحيل في القديم - تعالى - . على أنه لا فرق بين من أوجب بذلك التشبيه بين القديم - تعالى - وغيره وبين من قال : لا يجوز في الحوادث إلا أن تنقطع ؛ لأنها لو لم تنقطع ولم يكن لها آخر لحلّت محل القديم - سبحانه - الّذي لا آخر له ، فيصحّح بذلك مذهب جهم « 2 » : أن الجنّة والنار تفنيان .
فإن قيل : هلّا قلتم : إن العقل يدلّ على جواز فناء الجواهر ؛ لأن القادر على الشيء يجب كونه قادرا على ضدّه ؟ قيل له : ليس الأمر كما قدّر ؛ لأن في الحوادث ما لا ضدّ له .
وإنما يجب ذلك متى ثبت أن له ضدّا مقدورا ، فيجب أن يكون القادر عليه قادرا على جنس ضدّه . ولا دليل في العقل على أنّ للجواهر ضدّا ، فلا يصحّ ما ذكرته .
هامش
( 1 ) في الأصل : « به » .
( 2 ) هو جهم بن صفوان . وانظر الكلام على آرائه في الملل والنحل للشهرستاني على هامش الفصل لابن حزم 1 / 109 .