فأمّا الفناء فيجب أن ينظر فيه . فإن كان من الألطاف حكم بوجوبه ، وإلا كان من قبيل الجنس الّذي يجرى مجرى القطع بين حال التكليف وبين حال الثواب ، ولا يصح القول بوجوب الشيء إلا بعد ثبوت كونه مقدورا ونحن ندل الآن على أن هذه الواجبات مقدورة ، ثم نبين القول في وجوب ما اختلف الناس في وجوبه إن شاء اللّه .
الكلام في الفناء والإعادة
/ فصل في جواز الفناء على الجواهر
اعلم أن العقل يجوّز فيه « 1 » أن يصح فناؤه ، ويجوّز أن يستحيل ذلك فيه . فطريقه من جهة العقل التجويز ؛ لأنه لا دليل يقتضي القطع على أحد الأمرين . وما انتفى الدليل فيه وجب التوقّف فيه ، على ما نقوله في سائر المصالح الشرعية .
فإن قيل : ما أنكرتم أن العقل يدل على صحّة الفناء عليه ؛ لأنه لو لم يصح ذلك لأدّى إلى وجوب وجوده أبدا واستحالة العدم عليه ، وذلك يوجب أنه مثل القديم - تعالى - ؛ لأنه إنما بان من غيره لوجوب وجوده ؛ قيل له : إن الّذي به خالف القديم - تعالى - غيره كونه قديما ؛ لأن ذلك يقتضي فيه أن الوجود حصل له لما هو عليه في ذاته لا لعلّة ولا عن الفاعل . والجواهر لو ثبت وجوب وجودها في المستقبل لم يقتض ذلك فيها وجوب الوجود على وجه تستغنى عن الفاعل ، فلا يجب لو وجب وجودها أن تكون مثلا للقديم - تعالى - .
وليس له أن يقول : إن الصفة النفسيّة متى وجبت للموصوف في حال ما اقتضت مخالفته لغيره ، فلا فرق بين وجوب الوجود في بعض الأحوال ، وبيّن وجوبه فيما لم يزل ؛
هامش
( 1 ) أي في الجوهر .